الغلاف

Charbel Baini
Aqwa min aljens
Stronger than sex
**

بطل عربي أقوى من الجنس

مومسات.. للجنود الدوليين
قد يستهجن البعض ما طالبت به النائبة الهولندية أنيماري جوريسما من إرسال مومسات مع الجنود الهولنديين المنقولين إلى خارج البلاد، بغية (تفريغ طاقاتهم الجنسية) على حد تعبيرها. ولكنهم لو راقبوا الأحداث لوجدوا أن العديد من الجنود يغتصبون فتيات البلدان العاملين بها، من أجل التخلص من تلك الطاقة المزعجة التي كثيراً ما تزج أصحابها بمشاكل ومحاكمات لا حصر لها كما يحدث لبعض الجنود الأميركيين في العراق.
والظاهر أن هذه السياسيّة الهولندية البارزة تعرف جيداً مدى تأثير الغريزة الجنسية على أداء الجنود، وكم سينعمون بالهدوء النفسي، والاسترخاء الجنسي، لو توفرت لهم هذه الخدمة المهمة، التي تتجاهلها معظم الحكومات العالمية حتى لا تثير غضب زوجات الجنود، وتشعرهن بالقلق وعدم الاستقرار العائلي.
لقد طالبت هذه المرأة الجريئة قيادة جيش بلادها بالسماح لمثل هذه الأمور الجنسية بالانتشار في المؤسسة العسكرية، كي يحصل الجنود على حوافز إضافية، قد لا تقل شأناً عن المال والنياشين والرتب والترقيات، إذ لو خيّر الجندي بين رتبة إضافية أو فخذي امرأة، لفضّل الفخذين دون أدنى تفكير، لأن هذا ما يحتاجه في أرض المعركة، بعد الإرهاق والتعرض للموت كل لحظة.
كما أن خدمة المومسات للجنود ستكون مثمرة للغاية، كونها تضاعف من أداء الجنود الميداني، وتساعدهم على حماية أنفسهم وكرامتهم. فالجندي المتقلب عقلياً بسبب تهيجّه الجنسي قد يصبح عرضة للموت أكثر من زميله المسترخي جسدياً. كما أنها تقضي على وحشية تلك الغريزة التي كثيراً ما ترمي صاحبها في براثن الاغتصاب الجنسي.
بعض الجنود الهولنديين أعربوا عن تحفظاتهم حيال هذه المسألة، لا لأنهم يشمئزون منها ويرفضونها، بل خوفاً على حياة المومسات اللواتي سوف يرافقنهم، كونهن لم يخضعن لأية تدريبات عسكرية، قد تحميهن من غدر الأعداء، وترد عن شفاههن الندية كأس الموت الزكام.
نقابة عمالية واحدة رحّبت بالفكرة، وأيدتها مليون بالمئة، وطالبت بتطبيقها حالاً، لما لها من فوائد جمة على عضواتها، خاصة في هذا الزمن الكاسد، الذي حرمهن فيه غلاء المعيشة وارتفاع أسعار البترول من زبائنهن المفضلين، وما على النقابة سوى إيجاد فرص عمل لهن ولو كانت على خط النار. إنها نقابة العاملات في الدعارة والجنس في هولندا.
لقد قيل لي أن المومسات المتعددات الجنسية في وطني، وما أكثرهن، قد انتقلن من الكسليك إلى الجنوب، لأن جنود اليونيفيل بحاجة ماسة الى خدماتهن الجنسية، منذ اليوم الأول لوصولهم إلى لبنان. ولكن من أين سيحصل جنود هولندا على تلك الخدمة الحساسة في مناطق أكثر إحساساً كأفغانستان والبوسنة؟
دعوة النائبة جوريسما يجب أن تلقى القبول في هولندا، وأميركا، وأستراليا، وأوروبا وغيرها، وإلا ردّوا جنودكم عن بنات الناس الطيبين الشرفاء، أو أرجعوهم إلى ديارهم سالمين.
**

بطل عربي.. أقوى من الجنس
منذ أيام صفعني شاب سعودي على خدي الأيمن، فأدرت له الأيسر صاغراً، وأنا أطأطىء رأسي خجلاً منه. كيف لا.. وقد دحض بسكينه الحاد كل مزاعمي التافهة، وأثبت أن الرجل العربي أقوى من الشهوات، وأسمى من الممارسات الجنسية، وأن تعدد الزوجات آخر ما يفكر به، كما أن زينة الحياة، من البنين والبنات، لا تعني له شيئاً.
لقد آمن هذا البطل العربي الجديد أن الصلاة أهم من كل شيء، والويل ثم الويل لأي عضو من أعضاء جسمه إذا تحرك أثناء الصلاة، فلسوف يحزّه، ويجزّه، ويرميه للكلاب، كي لا يعكّر عليه صلاته.
وإليكم القصة:
وقف أحد الشبان السعوديين الأشاوس في الجامع الكبير بمحافظة خميس مشيط في منطقة عسير، وألقى خطبة عرمرمية، حث بها جمهور المصلين على قطع أي عضو يتحرك أثناء الصلاة، لأن الصلاة خشوع، فيها يراقبون الله تعالى، على حد تعبيره.
ولكي يشرح لهم معنى خطبته المقدسة، راح ينزع أمامهم ثيابه، إلى أن بان مفبرك البنات والصبيان، حضرة عضوه التناسلي، فقطعه بسكينه الحاد، لا لشيء، سوى لأنه أحرجه بتحركه المتواصل أثناء تأدية صلاته.
ذهول المصلين لم يعنه إطلاقاً، كان عليه أن يختار بين جزّ رموش عينيه التي لا تكف عن الحركة، وبين عضوه المزعج، فاختار الثاني، لأن الجمهور سيتعظ أكثر، نظراً لأهمية العضو المنكوب عند الذكور والإناث.
إنها بطولةً، لم يقدم عليها رجل عربي من قبل، حتى ولم يفكر بها أحد على الاطلاق..
إنها موضة جديدة أطلقها بطلنا الجديد، وما علينا إلا التشبه به، كي يخرس كل من يتهمنا بالجنون الجنسي.
إنها تضحية ما بعدها تضحية، لا يقدم عليها إلا من تغلّب على هوسه الديني، وتزمته الأعمى، وجهله المضحك المبكي.
كم هو جميل أن نخلع ملابسنا في أماكن عبادتنا، أينما كانت، في الشرق، في الغرب، ما هم، ونظهر عوراتنا للناس، لنثبت لهم أن عبادتنا عصرية، متطورة، متفرنجة، وقد تصبح متلفزة، بإذن الله.
وكم كانت بلهاء جانيت جاكسون حين أظهرت ثديها في الملاعب الرياضية، أمام جمهور فيه الكبار والصغار، وعرّضت نفسها لأشد أنواع الملامة والغرامة!.. أما كان الأفضل لها أن تختار أحد أماكن العبادة لترجع ما لله لله كما فعل بطلنا العربي؟
صحيح أن أخانا القدوة قد أنهك عضوه المتحرك قبل جزّه، إذ استعمله في ثلاث زيجات متواصلة، لم تكن وللأسف ناجحة، ولكنه، وقبل أن يجربه بالرابعة، رماه في سلّة التقاعد، فوجب علينا تكريمه.
وصحيح أيضاً أنهم نقلوه إلى المستشفى بغية إعادة عضوه إلى مراكزه سالماً، ولكن العضو الشريف العفيف كان أشد بطولة من صاحبه فأبى أن يعود.. ولو أعادنا إلى عصر المماليك.
أرجو تحنيط هذا العضو التناسلي العربي الشامخ، وعرضه في أكبر المتاحف العالمية، كاللوفر مثلاً، لنثبت للعالم أننا لم نبع فلسطين بليلات جنسية حمراء، كما يشاع ويذاع.. وأننا لم نفجّر أنفسنا طمعاً بملاقاة حوريات الجنة، كما يثرثر البعض.. وأننا لم نسدل النقاب على رؤوس نسائنا كي نستأثر بهن لأنفسنا، أو كي نخيف بسوادهن المجتمعات التي تحضننا، بل أسدلناه خوفاً عليهن من حرارة الشمس.
كما سنثبت أيضاً أننا خير أمة أخرجت للناس، وأقربها إلى الله، تعرف كيف تصلي له، وكيف تناجيه، وكيف تضحي بأثمن ما تملك من أجل التقرّب إليه..
بربكم، هل سمعتم ببطل عربي أكثر ضراوة وأشد فتكاً وأعمق قداسة من بطلنا هذا؟ بالطبع لا.
**
تعدد الزوجات.. لا دين له
بينما تناضل المرأة العربية بشكل عام، والمسلمة بشكل خاص، من أجل نيل حقوقها الزوجية، والإجتماعية، والإنسانية، ومن بينها عدم السماح للزوج بجلب أربع نساء إلى عش الزوجية، بغية الإكثار من الجنس والنسل في آن واحد، نجد أن أناساً في المجتمع الأميركي، أكثر المجتمعات تقدماً، ما زالوا يمارسون هذه الآفة العائلية القاتلة، التي تدمّر إحساس المرأة، وتجعلها فريسة لوحش، لا شريكة لزوج.
وإذا كانت المجتمعات المتخلفة ما زالت ترتب زواج القاصرات من كبار السن، بغية ستر العرض وحفظ الشرف وكسب المال، نجد أن بعض رجال الدين المسيحيين الأميركيين يرتبون مثل هذه الزيجات، لا بل يمارسونها بأنفسهم، ولو عن طريق الإغتصاب.
فلقد ألقت السلطات الأميركية على المدعو (وارن جيفس)، زعيم طائفة مسيحية انشقت عن المورمون بعد أن رفضوا مبدأ تعدد الزوجات في ولايات كولورادو التي تسمح بذلك. ووجهت له تهمة ممارسة الجنس مع قاصرات، لا بل اغتصابهن، وترتيب زيجاتهن من عجائز يكبرونهن بعشرات السنين. وكمعظم رجال الدين، الذين باعوا الله بحفنة من الدولارات، وجد رجال الشرطة بحوزة هذا الزعيم الديني المعتقل مبلغ 54 ألف دولار، و15 هاتفاً نقالاً، كي لا يفوته اتصال من طريدة جديدة، ومظاريف بداخلها تبرعات مالية من بعض (المؤمنين) المغشوشين بتعاليمه، و3 شعور مستعارة، كي لا يضبطه أحد بالجرم المشهود، وكأن الله لا يراه، وعدة نظارات كي يخفي نظراته الجهنمية الجائعة للجنس والمال، و4 كمبيوترات شخصية، يحشوها بتعاليمه الضالة، وجهاز استشعار للخطر، كي لا يقع بالمصيدة كما أوقع الكثيرات، ويحرم من طيّبات هذه الدنيا، وبطاقات هدايا بعشرة آلاف دولار. كما أنه يتنقل بسيارة لا تحمل لوحة أرقام.
من هنا نقدر أن نستنتج أن العديد من رجال الدين، بغض النظر عن طوائفهم، يستغلون القلوب البريئة، والعقول الساذجة، من أجل زرع الفساد والضلال والكفر في المجتمعات الآمنة، باسم الإيمان ونصرة الدين، كي لا أقول الله، لأن الله أبعد ما يكون عن شعوذاتهم الدينية الملحدة.
وكم من رجال دين منافقين، يعدون أتباعهم بالجنة، تارة يبيعونهم صكوك غفران، وتارة يسلمونهم مفاتيحها، وطوراً يزوجونهم لحورياتها، وكأن الجنة خيمة يأوون بها من يشاؤون، وساعة يشاؤون، دون الرجوع إلى الله، شرط أن تبقى أوامرهم نافذة، وغاياتهم محققة.
والمضحك المبكي، أن ما من رجل دين ألقي القبض عليه إلا ووجدوا في جيبه الآلاف، وفي حسابه ملايين الدولارات، التي سرقها من أفواه الأيتام والأرامل والعجائز والمرضى، أولئك المساكين المؤمنين بتعاليمه الدينية، التي لا تعرف من الدين سوى القتل، والسرقة، والجنس، والتعصب المقيت الأعمى، والكره القاتل لكل من يحاججه، أو يعرقل مسيرة جشعه الفاحش.
متى نلقي القبض على العديد من رجال ديننا، الذين يخيفوننا، يكفروننا، ويمارسون الدعارة الدينية دون أدنى عيب، ليقتص منهم القانون المدني، قبل أن يقتص منهم القانون الإلهي، وليصبحوا عبرة لمن يعتبر، علنا ننعم بحياة اجتماعية وعائلية هادئة لا تعكرها فتوى جاهل، ولا يقلقها وعظ أحمق.
**
جنس.. ثم جنس.. ثم جنس
عبارة.. كتبتها يوم كنت في الصفوف التكميلية، طردت على أثرها من الصف، بعد أن قرأها أحد التلاميذ (الأصدقاء) للمعلم، والعبارة تقول: إذا كان نهر الخلق ينبع من بين الفخذين، فإن هذين الفخذين سيقلقان راحتنا. ولست أدري لماذا لم يعجب معلمي المنفتح جداً بعبارتي هذه، وعندما طلبت منه تفسيراً لذلك، أجابني بصوته الأجش: هذا الحكي أكبر من عمرك.
ولو بقي معلمي حياً إلى يومنا هذا، لهمس في أذني: صدقت يا شربل. إذ أن معظم الأخبار التي نقرأها تنبع من بين الفخذين، وتلتقي بين الفخذين، وتصب بين الفخذين أيضاً، وإليكم حصيلة ما قرأت في يوم واحد فقط:
في العاصمة السورية دمشق، وقفت الطفلة نور أمام القاضي لتدلي بشهادتها ضد والدها السفاح الذي ارتوى من نبع طهارتها لمدة طويلة، دون أن يردعه ضمير، أو أن تستفيق أبوة. وبدلاً من أن تثور العائلة على الوالد السفاح، ثارت على الفتاة المظلومة لأنها فضحت والدها، وجعلت الألسن تلوك شرف عائلتها، على حد تعبيرهم الخاطىء، ورغم القسم العظيم الذي أقسمته نور بأنها ليست هي من رفع الدعوى ضد أبيها، وأنها لا تريد لأمها وإخوتها هذا المصير. أشاحت العائلة بوجهها عنها، وانتقلت للعيش مع خالها، الذي أوصل قضيتها العادلة إلى قوس المحكمة.
ومن سوريا إلى أندونيسيا، حيث طردت مدرسة ثانوية مجموعة من الطلاب، مارسوا الجنس داخل صفوفهم المخصصة فقط للحساب، والكيمياء، والفيزياء وما شابه، وقررت إدارة المدرسة إعادة هؤلاء الطلاب إلى ذويهم بعد أن ضبطتهم بالجرم المشهود، وما على الأهل سوى تأديبهم، وإفهامهم أن الجنس حرام، وأن كل من يمارسه بدون زواج لن يدخل الجنة. والجدير بالذكر أن السلطات الأندونيسية التي فشلت في مكافحة الإرهاب، قررت أن لا تفشل في مكافحة الرذيلة، فقامت بمطاردة الشبان والفتيات الذين يقيمون علاقات جنسية من دون زواج، لأن القانون الأندونيسي يحرمها بشدة.
ومن أندونيسيا إلى بوليوود السينما، حيث أثارت تصريحات ممثلة هندية مشهورة غضب الناس، لأنها قالت للرجال الهنود: لا تنتظروا أن تكون العروس الهندية عذراء بعد اليوم. فثار الرجال وناحوا، لأن من حقهم الزواج بعذارى بلادهم، وها هي فنانتهم المحبوبة (كوشبو) تهدم قصور أحلامهم الجنسية بعبارة واحدة، ولو اكتفت المسكينة بعبارتها تلك وصمتت، لما غرّمتها المحكمة 100 دولار، ولما منعتها من الإدلاء بأي تصريح جنسي، ولكنها أردفت قائلة: ليس هناك ما يضير من ممارسة الجنس خارج رباط الزوجية إذا كان آمناً، فأوقعتها جرأتها في السجن، ولكنها خرجت منه سالمة والحمد لله.
ومن الهند إلى اليمن، فلقد تناقلت الوسائل الإعلامية أخبار بعض الفتيات والنساء اليمنيات اللواتي يمارسن البغاء من أجل تسديد ثمن مخابراتهن الهاتفية، فبدلاً من المحافظة على شرفهن، فضلن المحافظة على خطوطهن الهاتفية المحمولة (الموبايل)، فلقد عشقن الهاتف المحمول، وأبين التخلي عنه، ولو كلفهن ذلك دخول السجن.
أما في وطني لبنان، فلقد انتهت رحلة زوج وزوجته وطفلتهما إلى أحد المقاهي البحرية، باغتصاب الزوجة على مرأى من بعلها وطفلتها، فلقد دعاهما أحد أصدقائهما إلى منزله لتناول العشاء، فتوجهوا إلى مبنى لا يزال قيد الإنشاء، وبعد الأكل والمسامرة على سطح البناية، قرر الزوج والزوجة مغادرة المكان، إلا أن الصديق طلب منهما البقاء، وعندما أصرا على المغادرة، قام بضرب الزوج وتكبيله، وباغتصاب الزوجة، ولم يكتفِ بفعله الشنيع هذا، بل استدعى بعض رفاقه لممارسة الجنس مع زوجة صديقه. ألا رحم الله القائل: صديقك من حمى فرجك، لا من أطعمك.
وفي كندا، سرقت إحدى الفتيات المراهقات من خزانة أمها آلة تصوير الفيديو، وباعتها لصديقها بمئة دولار، دون أن تنتبه أن بداخلها فيلماً، وأن بطلة الفيلم أمها، التي كانت تمارس الجنس مع عشيقها، وتصور مراحله المحمومة للذكرى فقط، ولمراجعة بعض الهفوات الجنسية بغية الإبتعاد عنها في الممارسات القادمة، فما كان من ذلك الصديق الصدوق إلا أن قام بنسخ الشريط وبيعه، عله يسترجع ثمن الكاميرا، ويجني بعض الأرباح، ولم تدر الأم المسكينة بأنها أصبحت أشهر من (باريس هيلتون) إلا عندما أعلمها عشيقها البطل بأن مناظرهما الخلاعية غطت على الهجمات الإرهابية في كل أصقاع الأرض. فأقامت دعوى قضائية على ابنتها، ولسان حالها يردد: عليّ وعلى ابنتي يا رب.
أكتفي بهذا القدر من القصص الجنسية التي تتراقص أمامنا على صفحات الحياة، منها ما يضحك، ومنها ما يبكي، ولقد أبكتني حقاً قصة الفتاة السورية نور، لأنها تتكرر كل يوم دون أن يعلم بها أحد، خوفاً من الفضيحة ليس إلاّ .
**
عمر الشريف.. مسيحي، مسلم، يهودي
ادعت صحيفة الغارديان البريطانية في عددها الصادر في 31 تشرين الأول 2005، أن الفنان المصري عمر الشريف ولد يهودياً، وكان اسمه ميشال شلهوب قبل أن يعتنق الإسلام ديناً عام 1950، بغية الزواج من سيدة الشاشة العربية فاتن حمامة.
والحقيقة أن فناننا العالمي القدير من مدينة زحلة اللبنانية، ومن الحارة الشرقية بالذات، مسقط رأس المغنية الشهيرة شاكيرا (مبارك)، التي فازت بالجائزة العالمية للموسيقى، وغنت بلغة أجدادها اللبنانيين، كما لم تغنِ بالإسبانية والإنكليزية والفرنسية. كما أنه من عائلة شلهوب الكاثوليكية، وكعادة معظم اللبنانيين، هاجر والده إلى مصر أيام الحكم العثماني، حيث برع بالتجارة، فيما كان ابنه ميشال يبرع في التمثيل، لدرجة أوقعت بغرامه أجمل فنانة عرفتها الشاشة العربية، وأنجبت منه ولداً، قبل أن يفرق أبغض الحلال بينهما، وقبل أن ينتقل فناننا إلى العالمية عام 1962 في فيلم (لورنس العرب).
وأعتقد أن عمر بإيعاز من مدراء أعماله، تنكّر لإسلامه بسبب الشهرة العالمية، كما تنكّر لمسيحيته كرمى لعينيْ فاتن، وراح يروّج لأصله اليهودي، الذي لا أصل له بالأساس، كي يتقرّب أكثر من أصحاب القرار في هوليوود، وكي يحبب به مسؤولي شركات الإنتاج السينمائي العالمية، التي بمعظمها يهودية الإستملاك، وكي يجني من وراء تعاقده معها ملايين الدولارات، تماماً كما ادعى المؤلف الأسترالي اللبناني الزحلاوي دايفيد معلوف، الذي لم يدرِ أنه لبناني كاثوليكي، وأحد أقرباء الشاعرين فوزي وشفيق المعلوف، إلا من فترة وجيزة.
ومن الفنانين العالميين الذين ينتمون لعائلة شلهوب اللبنانية، الفنان طوني شلهوب، الذي اشتهر بأدواره في (الليلة الكبرى ـ 1996)، (والرجال باللباس الأسود)، الأول والثاني، 1997 و2002، (وأطفال الفضاء) 2001، كما أنه ما زال يتعملق بدوره البطولي في المسلسل الشهير (المونك). والجدير بالذكر أن طوني يفاخر بأصله وفصله ومسقط رؤوس أجداده، ولم يدع الإنتماء إلى أديان أخرى، كما فعل عمر تحت ضغط الغرام، والشهرة، والحروب العربية الإسرائيلية التي كانت في أوجها في أواسط ستينات القرن الماضي.
من حق فناننا الكبير عمر الشريف التنقل بين الأديان كما يتنقل من بلد لآخر، ومن حقّه أن يختار المذهب الذي يريد وساعة يريد، فحرية الإنسان لا تصادر، لا باسم السياسة ولا باسم الدين، فلقد خلقنا الله أحراراً، عقولنا تسيّرنا وتخيرنا بغية الحفاظ على وجودنا واستمراريتنا. ولكن من حقنا أيضاً أن نعرف الحقيقة، لا أن نذر فوقها ادعاءات فارغة لا صحة لها.
وادعت الغارديان أن تنظيم القاعدة هدد برسالة نشرها على الإنترنت بقتل الفنان عمر الشريف، لأنه قام بتمثيل دور القديس بطرس في فيلم إيطالي، ولأنه أبدى إعجابه بالوثنية الصليبية، لذلك هو صليبي أهان الإسلام والمسلمين، ويجب التخلص منه.
عمر الشريف اعتبر أن لعب دور القديس بطرس كان مهماً جداً بالنسبة له، تماماً كما كان دور حمزة عم الرسول محمد مهماً بالنسبة لأنطوني كوين، دون أن يهدده أحد من اليهود والمسيحيين، لا بل أثنوا على تمثيله الرائع، وإتقانه للدور دون التفتيش عن طائفته ومعتقده ومن أي البلدان تحدر.
عام 1968 تعرّض عمر الشريف لغضب العرب الطالعين من نكسة 1967، لأنه قبّل شفتيْ ممثلة يهودية اسمها بربارة سترايسند في فيلم (فتاة مرحة)، فتدخل مكتب مقاطعة إسرائيل المنتقل إلى رحمته تعالى، ووضع حظراً على الفيلم، فاستجابت مصر للحظر، بينما حضرته أنا في لبنان، وفي مدينة طرابلس بالذات. وكادت قبلة فنية أن تقضي على عروبة هذا الفنان، وأن تحرمنا من إبداعه باللغة العربية، لولا تدخل المصلحين وأصحاب القلوب الكبيرة، والعقول الراجحة.
ولأننا لا نتعظ من أخطائنا، ومن أحكامنا المتسرعة على الأمور، عاد اللغط يدور عام 2003 حول فناننا القدير لأنه لعب دور تاجر مسلم يصادق شاباً يهودياً في الفيلم الفرنسي (السيد إبراهيم وأزهار القرآن)، وكأن الزيارات التي يقوم بها المسؤولون العرب لإسرائيل، لم تصبح شيئاً طبيعياً، حتى أن الإعلام العربي لم يعد يعلّق عليها، فالإجتماعات تدور في السر والعلن، والإتفاقات توقع على عينك يا تاجر، ولم يبق في الساحة إلا عمر الشريف لأنه مثل دوراً أعجبه في فيلم أميركي، أو فرنسي، أو إيطالي، لا فرق، وما علينا إلا أن نتخلص منه بسبب انفتاحه وعبقريته الفنية.
عمر الشريف وجه أمتنا العربية الحضارية، مسيحياً كان أم مسلماً أم يهودياً، وأحد أيقوناتنا الفنية التي بها نفخر، فبدلاً من أن نرهبه، وجب علينا تكريمه وتشجيعه، لأن الأمة التي لا تكرّم الفنان، لن يكرّمها أحد.
**
التظاهرات الدينية.. من طرابلس للإسكندرية
مجرد إشاعة، مهما كانت صغيرة وتافهة، قد تحرق بلداً بأكمله، فكم بالحري إذا كانت تلك الإشاعة دينية، روجها بعض المهووسين المرضى من أجل غايات في قلوبهم، وليس في قلب يعقوب، كما يقول المثل.
الإشاعة الأولى تطايرت شرارتها في مدينة طرابلس الفيحاء، ثاني أكبر المدن اللبنانية، وأشدها تعايشاً وتسامحاً، بعد أن قررت لجنة إنماء السياحة في بلدية طرابلس استضافة الفرقة الإيطالية ( Figurazione ) بغية تقديم عرض مسرحي إيمائي، يطلي خلاله الممثلون والممثلات ثيابهم بالجفصين الأبيض، كي يظهروا كالدمى المتحركة، ولأن أعضاء الفرقة يفضلون تقديم عرضهم بين الناس مباشرة، ليأتي أكثر جمالاً، وأشد تعبيراً، اختارت اللجنة مقهى (موسى) في منطقة الحدادين الشعبية. وما أن علمت بعض الجهات (المتدينة) بذلك، حتى بدأت التهديدات المبطنة تصل عبر الهاتف إلى مجلس بلدية طرابلس، وتطالب بعدم تقديم العرض لأن الممثلين والممثلات عراة، وهذا شيء منافٍ للحشمة، على حد تعبيرهم، وراح مسؤولو البلدية يوضحون صورة العمل الفني الراقي، وأن الممثلين يرتدون ثيابهم، ولو طليت بالجفصين، إلى أن تم العرض، الذي لاقى استحساناً من قبل المشاهدين، وفجأة علت أصوات التكبير والهتافات الدينية، وبدأت مجموعة من الشباب المتحمس دينياً بمهاجمة الفنانين العالميين، ولكن عناصر الجيش والدرك كانت لهم بالمرصاد، ففرقت التظاهرة، وتفرق الممثلون، وتوقف العرض المسرحي العالمي الراقي، دون أن تنفع احتجاجات العديد من الفعاليات الطرابلسية السياسية والتجارية والأكاديمية، واستنكار الهجوم على الفرقة، وتخويف أعضائها باسم الدين.
ومنذ سنتين، عرضت في الإسكندرية، وفي إحدى كنائس حي محرم بك، مسرحية دينية لمدة يوم واحد، ليس في الشارع العام، كما حصل في طرابلس، بل ضمن جدران أربعة، دون أن يحرك أحد ساكناً، أو أن تسير التظاهرات، وتهاجم الكنائس والمؤمنين، إلى أن أوقد أحدهم نار الفتنة، لغاية في قلبه طبعاً، ولكي يبعد الفوز عن بعض المرشحين الأقباط للإنتخابات التشريعية، وكأن لا يحق للأقباط الترشيح والفوز بل التعيين من قبل الحاكم بأمره.
البابا شنودة أكد رفضه لمحاسبة المسيحيين، وإحراق كنائسهم، ومتاجرهم، بسبب شائعة أطلقتها بعض الوسائل الإعلامية، ونفى أن تكون إحدى الكنائس قد أهانت الإسلام أو القرآن الكريم. كما أن المسرحية لم يرها مسلم واحد، وكانت تتحدث عن التطرف الذي يتأفف منه جميع المسلمين في كافة أنحاء الأرض، ولم تنتقد لا من قريب ولا من بعيد المقدسات الدينية عند المسلمين.
ومع ذلك تمكنت شائعة تافهة من تثوير الآلاف، وحقنهم بمورفين الطائفية القاتل، وتوجيههم نحو أهداف معينة، ليس من أجل حماية الدين الإسلامي الحنيف، وليس من أجل الدفاع عن نبينا العربي العظيم، بل من أجل مكاسب سياسية بحتة، والفوز ببعض المقاعد النيابية في الإنتخابات التشريعية المقبلة. وهذا ما لم يكن خافياً على البابا شنودة، الذي أعرب عن أمله في ألا يكون للإنتخابات التشريعية المقبلة دور في إثارة أو استغلال تلك الأحداث.
من منا لم يسمع مئة مرة باليوم بعض شيوخ المنابر، ومذيعي الإذاعات الإسلامية المتطرفة، وهم يتهمون المسيحيين بالكفر، ويدعون إلى قتلهم وسحقهم، حتى في الدول المسيحية ذاتها، كأستراليا مثلاً، دون أن يحرك أحد ساكناً، أو دون أن تنطلق التظاهرات من الكنائس بغية حرق الجوامع، وإقفال الإذاعات الإرهابية المتطرفة. هناك طرق قانونية بإمكان أي كان أن يلجأ إليها من أجل الوصول إلى حقّه، فلماذا لم يلجأ الثائرون على مسرحية (كنت أعمى وفتحت) إلى القضاء المصري بغية تلقين المؤلف والمخرج والممثلين درساً لن ينسوه، إذا كانوا، لا سمح الله، قد أساؤوا إلى معتقدات إخوانهم المسلمين؟ فمن نحتج عليه هو منا، إبن بلدنا، يتكلم لغتنا، ويسكن معنا في عمارة واحدة، أي أنه مصري أبا عن جد، فلماذا لا نتعامل معه قانونياً، بدلاً من أن نرهبه طائفياً، وندعوه إلى التقوقع في كانتون طائفي، لن يرضاه ولو أجبر عليه، ونعمل على تقسيم وطننا العربي إلى دول عرقية وطائفية بسبب همجيتنا الدينية، في وقت نجد أن تركيا المسلمة تعمل المستحيل من أجل الإنضمام إلى الإتحاد الأوروبي المسيحي بغية تأمين عيش أفضل لسكانها، وبغية التأقلم مع محيطها الأوروبي، وكي لا تبقى بمنأى عنه.
لم أعد أدري من يفتي من المسلمين، ولأي سبب يفتون، فلقد أصبح بإمكان أي كان تثوير الناس طائفياً، وجرهم إلى التظاهر ضد أي شيء لا يعجبه، حتى وإن كان يجلب الخير لمدينته، ضارباً عرض الحائط باستنكار الفعاليات الإسلامية، واحتجاج مفتي الجمهورية، وتوضيح البابا شنودة، ودعوة شيخ الأزهر إلى التهدئة، وتدخل جميع الأحزاب الدينية والمدنية من أجل جمع شمل الشعب الواحد، وتفريق التظاهرات من قبل الشرطة، ووقوع العديد من الضحايا، فالشر يجب أن يحرق البلاد، ومن يقف بوجهه، أو يحاول إطفاء حرائقه، سيرمونه بالكفر، عندئذ سيصطاده مطلق جاهل جبان، كما حصل مع النوبلي نجيب محفوظ.
كي يعم الخير في عالمنا العربي، يجب أن يخضع جميع أبنائه لقوانين مدنية صارمة، تفتك بكل من يحاول أن يفتك بمجتمعه، أو أن يفككه ويشرذمه طائفياً، عندئذ نصبح بشراً كباقي البشر، وإلا.. فرحمة الله علينا.
**
التزمت المسيحي.. ومعالجته سينمائياً
هذه هي المرّة الثانية التي أتنعّم فيها بمشاهدة فيلم سينمائي يعالج التزمت المسيحي في القرون الوسطى.. الفيلم الأول كان لدامي مور بعنوان (العلامة الفارقة) والثاني بعنوان (التزمت) لواينونا رايدا ودايفيد داي لويس.. ووجه الشبه بين الفيلمين كان سفك دماء الأبرياء الذي ارتكبه بعض رجال الدين المسيحيين باسم اللـه تعالى.
دامي مور، في الفيلم الأول، مثلت دور امرأة متزوجة، أحبت وزوجها أن ينتقلا إلى المدينة المثالية (أورشليم) التي بناها بعض المتعصبين المسيحيين في الغرب، تحت إشراف أحد الكهنة الشباب.. بغية تثبيت دعائـم الدين وتطبيق الوصايا العشر.. وكل من يخالف الوصايا جزاؤه الموت.
وتشاء الصدفة، أن يتأخر زوجها عن الركب، فوصلت المدينة (المقدسة) قبله، فأحدثت بذلك بلبلة بين الناس: امرأة متزوجة تسافر لوحدها!!.. تعيش بينهم لوحدها!!.. بمعنى آخر، ستسرق من النساء رجالهن.. وهذا غير مسموح في (أورشليم) الجديدة.
ذات يوم، كان كاهن القرية يستحم في النهر المجاور لبيتها، فشاهدته عرياناً ، دون أن تعلم أنه الكاهن.. فتركته يداعب المياه الباردة، وأسرعت متجهة نحو الكنيسة لحضور قداس الأحد.. وفي الطريق، أوقف الكاهن عربته، وكان قد انتهى من حمامه، وطلب منها الصعود.. فأخبرته أنها في عجلة من أمرها، لأن الكاهن سيغتاظ إذا دخلت القداس متأخرة.. فأجابها وهو يضحك: أنا هو الكاهن، لا تخافي.
وتبدأ زيارات الكاهن لها، ويبدأ الحب يتلاعب بقلبيهما، ولكنها قاومت الإغراء، رغم تأخر زوجها عن اللحاق بها عدة أسابيع.. ولـم تستسلم له إلا عندما جاءها نبأ مقتل زوجها على يد أحد الهنود الحمر.. عندئذ وهبته جسدها، ليهبها جنيناً ما أن كبر في بطنها، حتى تنادى مجلس الأمناء على (الدين) وطالبوا بمحاكمتها وشنقها لأنها لـم تحترم الوصية التي تقول (لا تزنِ)..
أرادوا معرفة اسم والد الطفل دون جدوى.. سجنوها.. ضربوها.. هددوها بالموت.. ولـم تنبس ببنت شفة.. كل هذا، والكاهن (الوالد) يدير المحاكمات دون أن يرف له جفن.
وما أن ولدت طفلها، حتى سلمتها المحكمة لحبل المشنقة.. وفي الساحة العامة، حيث يحتشد المئات من (المؤمنين) سألها أحدهم عن اسم والد الطفل.. فلم تجب.. فوضع الحبل حول رقبتها بغية شنقها.. عندها ارتفع صوت الكاهن ليعلن للجميع انه والد الطفل.. وان اللـه محبة.. يرفض كل ما نقوم به من أعمال سيئة باسمه.. وان معظم الذين حاكموها، وهو واحد منهم، حاولوا ممارسة الجنس معها وكانت تصدهم بقوة.. أي أنهم نصّبوا أنفسهم أوصياء على الدين والأخلاق وهم أبناء الرذائل.
أما فيلم (التزمت) فيبدأ بمشهد لمجموعة من الفتيات المراهقات يرقصن حول النار ويقدمن القرابين للشيطان.. كي يحبّب الشبان بهن.. واحدة ترمي العدس في النار وتتمتم اسم (دايفيد)، وأخرى ترمي القمح وتنطق باسم (أنطوني).. أما (واينونا رايدا) فلقد ذبحت دجاجة وشربت دمها من أجل عينيّ حبيبها المتزوج (دايفيد داي لويس)، الذي أقسمت أن تسرقه من زوجته مهما كان الثـمن، خاصة، وأن علاقة غرامية جنسية قد جمعتها به أثناء مرض زوجته وقيامها هي بالسهر على راحة أطفاله.
وفجأة، يظهر كاهن القرية ، ويبدأ بملاحقتهن بين أشجار الغابة، فيضبط ابنته الصغيرة، التي أوهمته أنها خسرت نطقها، وراحت في غيبوبة لامتناهية. عندئذ، اتهم الشيطان بذلك ، وطالب بطرده من القرية، وشنق كل من يتعامل معه!! (هكذا واللـه)!!.
هنا، لمعت الفكرة في مخيلة (واينونا)، فجمعت رفيقاتها وطالبتهن بتقليد كل ما تفعله، وإلا، أوقعتهن بمشاكل لا حصر لها.. فبدأت تصرخ وتشهق أمام رجال المحكمة المكلفين بطرد الشيطان، وتتهم أناساً أبرياء رأتهم يرافقون الشيطان في القرية.. وإمعاناً في التضليل كانت المراهقات الأخريات يوافقن على كل كلمة تقولها.. لا بل كن يشهقن كما تشهق ويصرخن كما تصرخ.. إلى أن وصل الدور الى زوجة حبيبها.. فاتهمتها أيضاً بمصاحبة الشيطان بغية التخلص منها والتفرغ لزوجها، الذي بات يصدها ويدعوها الى التعقل واحترام شعوره.
ولكن الزوج دافع عن زوجته، عن إخلاصها له، عن إيمانها المسيحي القويم، واتهم (واينونا) بالكذب.. بالرذيلة.. وبفقدان عذريتها.. وعندما سأله رئيس المحكمة الدينية كيف يعرف ذلك؟ اعترف بممارسة الرذيلة معها، وانها أوقعت بزوجته بغية الوصول اليه ليس إلا.. كما أنه قدم للمحكمة الروحية ورقة تعترف فيها إحدى الفتيات بعدم رؤية الشيطان.. وبأن (واينونا) هي التي أوحت إليهن بذلك..
ولأن (واينونا) لا تريد أن تقع في الفخ.. صاحت: ها هو الشيطان.. ها هو الشيطان.. اني ارى هذه البنت التي شهدت ضدي ترافقه ..
ترافقه؟! صاح رئيس المحكمة.. فأدركت الفتاة المسكينة أنها راحت ضحية صدقها، وان المحكمة ستشنقها كما شنقت الآخرين لا محالة.. فبدأت بالصياح أيضاً، وادعت انها ترى الشيطان وبرفقته زوج المرأة (دايفيد داي لويس)، الذي أجبرها على الشهادة ضد (واينونا) ورفيقاتها !!
عندئذ، أمرت المحكمة بإعدام (الزوج) أيضاً.. فما كان منه إلا أن صاح بصوت عالٍ جداً: لقد مات اللـه.. أنتم قتلتموه.. أنتم الشياطين.. وكل الذين سفكتم دماءهم أبرياء وقديسون وسترتد عليكم دماؤهم.. فالويل لكم.. الويل لكم يا أفاعي الأرض.. وبدأ بالصلاة الربّانية التي علمنا إياها السيّد المسيح: أبانا الذي في السماوات ليتقدس إسمك..
هكذا كان وضع المسيحيين في القرون الوسطى، يوم باع رجال الدين المسيحيون صكوك الغفران بملايين الدولارات، ووعدوا كل من يشتريها بدخول الجنة!!
اليوم، تعيش أمتنا العربية حالة من التخبط الديني الوسخ الأليم، فهل يتعظ رجال الدين الذين يصدرون الفتاوى المخجلة التي تزهق ارواح الملايين من الأبرياء، وتعيدنا الى القرون الوسطى، في زمن الكومبيوتر والإنترنيت والعمل على استيطان المريخ .. لست أدري!!
**

تعالوا نتصاهر
ما أن علمت الأم أن ابنتها الصبية الجميلة، التي لم تكمل ربيعها الثاني والعشرين، حامل بسفاح، حتى جن جنونها، وبدأت تخطط كيف ستتعرف على والد الجنين، وكيف ستقنعه بالزواج من ابنتها اتقاء للفضيحة، ولكي ينمو الطفل في كنف والديه.. بدلاً من أن يرمى في دار للأيتام، ويصبح عالة على المجتمع.
تخطيط جميل ومنطقي، يجب أن يتبعه الأهل، في حال وقعت ابنتهم في حب رجل ما، وحملت منه، بغض النظر عن قوميته أو دينه، كي لا تقع المصيبة على رأس الطفل المولود كما وقعت في منطقة حارة حريك اللبنانية.
ولكن سرعان ما انقلب تخطيط الأم الإنساني الى شيطاني، بعد أن باحت ابنتها باسم والد الجنين، وبأنه مصري الجنسية، فاحمرت عيناها، وتدلت شفتاها، وبدأت تحك جلدة رأسها، الذي آلمها كثيراً من كثرة التفكير وقلة النوم.
لن ترضى، ولو نطحت الارض السماء، بأن تتزوج ابنتها شاباً مصرياً مهاجراً، يكدح من أجل لقمة عيشه، ويعيش على سطوح البنايات، ويتكلم بلهجة غير لهجتها من الصعب أن تفهمها أو أن تتأقلم معها.
كما لن ترضى بأن ترضع ابنتها حفيداً غريب البذرة، وهي التي مننت النفس بأن تزوجها لشاب لبناني وسيم، إبن أصل وفصل، يحفظ الإرث ويكثر النسل.
وبعد خمسة أيام على ولادة الطفل، وضعته الجدة (الحنون) في كيس أسود من النايلون، ورمته في محلة حارة حريك، قرب موقف عائد لأحد المطاعم، لتنهشه كلاب الشوارع ولتلتهمه قططها الجائعة، أو لتلتقطه أيدي عمال التنظيفات وترمي به في أحد مكبات القمامة.
هكذا والله..
وكأن الطفل، في هذا الزمن الرديء، مجرد قمامة!.
وكأن الأهل مجرمون ساديون يتلذذون بسحق جماجم أطفالهم!.
ولكي تكون النهاية مفرحة، ونادراً ما تكون، أبت العناية الالهية أن يموت الطفل داخل نعشه (النايلوني) الأسود الذي دفنته به أيدي جدته السوداء، فعثرت عليه الأيدي البيضاء، وسلمته للقوى الأمنية، التي سلمته بدورها لأمه بعد أن ألقت القبض على الجدة، وأدخلتها السجن.
الواضح من هذه القصة أن الجدة تخلصت من الطفل رغم توسل ابنتها وبكائها ومعارضتها الشديدة لتلك الجريمة البشعة.. وإلا للحقت بوالدتها الى السجن، ولما سلمتها القوى الأمنية فلذة كبدها.
كما أن الجدة ما كانت لتتخلص من حفيدها لو لم يكن أبوه مصرياً، وتناست أن مصر هي قلب العروبة النابض، وراية أمجادنا.. وحاضنة أجمل عجائبنا السبع وأرقى حضارات البشرية، وأن الملايين من أهلنا يصاهرون مصر، على رأسهم فنانتنا الكبيرة صباح التي أحبت مصرياً وأنجبت منه (هويداها) حبيبة أمها، مثلها مثل الكثيرين من عظمائنا وعظيماتنا، الذين تعجز الارقام عن تعدادهم.
ثم، لو لم تحب ابنتها ذلك الشاب المصري الوسيم، لما وهبته عذريتها، ولما أنجبت منه طفلاً، والفتيات الجاهلات يعلمن أن هناك حبوباً لمنع الحمل، فكم بالحري فتيات الجرائد والمجلات والراديوات والتلفزيونات.. والانترنت.
إنه، وباختصار شديد، الحقد الأعمى لكل ما هو ضد تفكيرنا وعاداتنا وطائفيتنا وكنتوناتنا ومذهبيتنا وعصبيتنا القومية والعشائرية والعرقية.. إنه الرفض القاتل للآخر. فكيف، والحال كهذه، سنتعايش، ونتلقح، ونصبح اخوة، كما يريدنا الله أن نكون.
تعالوا نتصاهر، ونتزاوج، ونتقارب.. تعالوا نصبح عائلة واحدة، بدلاً من ان نتقاتل ونتحارب ونتباعد، فلقد تعبنا من الموت وآن الاوان كي نعيش.

**

اقلب الصفحة من فضلك

حاكموا رفات هذا الوالد

قاصرات.. ولكن شريفات
الانحلال الخلقي في الوطن العربي أصبح، وللأسف، جارفاً، فقد لا تمر دقيقة واحدة إلا ونقرأ أو نسمع عن جريمة وقعت بحق قاصر، فتاة كانت أم فتى، وكأن لا شغل لهم سوى الإيقاع بفلذ أكبادنا واستغلالهم جنسياً إلى أبعد حد ممكن.
هناك قصتان مؤلمتان سأخبركما عنهما. الأولى وقعت في لبنان، والثانية في سوريا، والمضحك المبكي في الأمر أن جرائم الشرف باتت توحد بين هاتين الدولتين الشقيقتين بعد أن فرقتهما السياسة.
القصة الأولى تقول: تعاركت فتاة قاصر مع أمها، فاتصلت بصديق تعرفت عليه عبر الانترنت، والتقت به، فاصطحبها الى أحد الشاليهات وراح يتودد لها ويستدرجها لممارسة الجنس معه، ولما لم تتجاوب، راح يضربها ويهددها، ولكنها كانت ترفض بشدة، وكي لا يطلع من المولد بلا حمص، اكتفى بمداعبتها وملامسة جسدها البريء فقط.
ولأن الشر متأصل فيه راح يعرضها على أصدقائه، فكانت ترفض بشدة الانصياع لرغباتهم الجنسية، إلى أن سلّمها الى صديق يسهّل أعمال الدعارة، أي (قوّاد)، ولكن العناية الإلهية أوقعت به، فما أن رآها صديقه حتى تعرّف عليها، كونه يعرف أهلها جيداً، فرفض استلامها واستغلالها جنسياً، واتصل بوالدها ليعلمه بالأمر، وليتم إلقاء القبض على صديق الإنترنت الخائن، وعلى كل من تحرّش بها.
وفي سوريا، خدّر أحد أرباب العمل فتاة قاصرة تعمل عنده في المزرعة، وراح يعتدي عليها كوحش كاسر، وعندما استعادت وعيها، هددها بفضح أمرها إن لم تمارس الدعارة في بعض الملاهي الليلية، وكان يعطيها يومياً لقاء ذلك 250 ليرة سورية، تماماً كما كان يعطيها في المزرعة، ويستولي على باقي أجرها.
ورغم كتمانها الأليم للسر، خوفاً من انتقامه، وهو المعروف والقادر والمتسلط، ثارت عليه، وهربت الى حضن أمها، كونها يتيمة الأب، وأسست لنفسها عملاً شريفاً بالتطريز والحياكة، بعد أن أقسمت على الانتقام منه في يوم ما، ولسان حالها يردد: الله يمهل ولا يهمل.
وبما أن الفتاة اللبنانية وقعت في مصيدة (قواد) لا يرحم، عن طريق الانترنت، وجب على العالم العربي، كي لا أقول لبنان، إيجاد شرطة تراقب الانترنت، كما تفعل معظم دول العالم، وتلقي القبض على مجرميه الكثر، أولئك الذين يستدرجون الأطفال للرذيلة، أو يرسلون جراثيمهم القاتلة لكل من يخالفهم الرأي، أو يشتمون الناس لمجرد التسلية، أو يبذرون العنف الطائفي أو السياسي أو العرقي أو ما شابه في مجتمعاتهم الآمنة.
وشرطة المراقبة هذه، إذا وجدت فعلاً، لن تلغي، أو تقلل من أهمية مراقبة الأهل لاتصالات أبنائهم الالكترونية، ومعرفة كل شاردة وواردة مخافة أن يقعوا في مصيدة مجرم ما.
كما على العالم العربي إنشاء مكاتب حكومية للتوظيف، يلجأ إليها كل عاطل عن العمل، مثلما يحدث في أستراليا والكثير من الدول الراقية، حتى يعود إليها كل من تغبن حقوقه، أو يتعرض لما تعرضت له فتاتنا السورية من تخدير واغتصاب.
الشيء المفرح في القصتين أن الفتاتين القاصرتين رفضتا ممارسة الجنس عن قناعة، أو استسلمتا بعد تهديد وارهاق. فالأولى، رغم خلافها مع أمها، قاومت وحافظت على ما أوصتها أمها بالمحافظة عليه، والثانية خدرت واغتصبت غدراً، ولكنها هربت وقررت الانتقام لشرفها المهدور.
ألا تقولون قولي ان التربية البيتية هي الاساس، وأن الفتاة الطاهرة، ولو وقعت بين مخالب الوحوش البشرية الكاسرة، ستحافظ على طهرها، وستنهض، كطائر الفينيق، من تحت أنفاس مغتصب نذل، لتكمل مسيرتها الشريفة في عالم كل ما فيه مخيف ومدنس وقاتل.
**
الموت.. ولا الدعارة
خبر توقفت عنده ملياً، يظهر مدى ترسّخ الفضيلة في نفوس العديد من فتيات اليوم، اللواتي يتهمهن البعض بالميوعة والشبق الجنسي وتأليه المادة، بغض النظر عن بلدانهن، وأديانهن، ولغاتهن.
والخبر يقول:
ألقت صبية رومانية بنفسها من الطابق الحادي عشر، لأن بعض مواطني بلدها يحتجزونها في شقة بغية إجبارها، تحت التهديد والضرب، على ممارسة الدعارة.
لقد جاءت ابنة الثانية والعشرين ربيعاً الى اسبانيا بعد أن وعدوها بعمل ثابت وقانوني، فإذا بها تقع بين مخالب وأنياب وحوش بشرية لا يهمهم سوى الربح الحرام، ولو سخروا لذلك جسد فتاة طاهرة.
ولكن أنى لهم ذلك، وهذه الرومانية البطلة أبت أن تحول طهرها الى عهر من أجل حفنة من الدولارات، أو من أجل التخلص من تهديدهم وتعذيبهم لها.
ألم تهمس أمها في أذنها يوماً: أخلاق الفتاة زينتها؟.
ألم تقرأ بتمعن زائد هذه العبارة: ماذا ينفع الانسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟.
لذلك عانقت الانتحار بابتسامة ملائكية، وكأنها تريد الشهادة الحقيقية من أجل الشرف، التي توصل صاحبتها الى الجنة دون جواز سفر أو واسطة من قديس أو نبي.
هذه هي التربية المثالية، التي يجب أن ننمي أجيالنا الصاعدة عليها، قبل أن تجرفهم الأنانية، وتذلهم المادة، وتتقاذفهم أيدي الرذائل.
لقد صفعت بطلتنا الرومانية كل من يتهم الفتاة الغربية بالميوعة، والاستهتار، وأنها تمارس الجنس كالحيوانات، وأثبتت لكل ذي بصيرة أن التربية البيتية هي الأساس، وأن الأخلاق الحميدة تنمو مع الطفل كما تنمو أعضاء جسده.
كما أنها شطبت بقفزة واحدة من الطابق الحادي عشر جميع الدراسات التي بينت أن الجيل الصاعد جيل مادة فقط.. وأن الأخلاق الحميدة تحصيل حاصل. فلو كانت تبغي المادة لجمعتها بالأكياس، ولو كانت تمارس الجنس كالحيوانات لمارسته دون تهديد او تعذيب.. أو انتحار.. أو موت.
مناعة الفتاة تأتي عن طريق التربية والتنشأة الجيّدة والتعليم، وليس عن طريق الحجب، والزرب، والضرب، وزرع الأمية.
الانسان الفاضل ليس من يبتعد عن الناس كي يحمي فضيلته، بل من يعيش بينهم، دون أن يشكك به أو أن تتلاشى فضائله.
لقد قيل يوماً: طوبى للبطن الذي حملك وللثديين اللذين أرضعاك. فاسمحوا لي أن أهدي هذا القول لشهيدة الشرف، وأن أضيف إليه: مباركة أنت يا ابنة رومانيا، فلقد أصبحت قبلة أنظار ملايين الفتيات اللواتي يرددن مع الشاعر:
عيشة بالذل لا أرضى بها
وجهنم بالعز أفضل منزل
حاشا والله.. لك ولهن ولكل الشريفات في العالم.. ربوع الجنة.
**
العين بالعين.. والطفلة بالطفلة
قبل عامين اختطف الباكستاني (سليمان خان) طفلة صغيرة لم يتجاوز عمرها الثماني سنوات، لا ليتبناها، او ليعتني بتربيتها، او ليساهم بتعليمها، بل ليتزوجها، وهو المتزوج أولاً، والوالد ثانياً وثالثاً ورابعاً، دون أن يرف له جفن، أو أن يردعه ضمير، أو أن يخاف انتقام أهل أو خالق. إنه، وباختصار شديد، يعشق مضاجعة الأطفال، وكل ما حوله، وما فوقه، وما تحته، يسمح له بذلك.. فلماذا التردد؟!
أهل الطفلة، لم يغفروا لسليمان جريمته بحق شرف عائلتهم ـ انتبهوا جيداً الى (شرف العائلة) ـ فطالبوه بتزويج ابنته (نورين) ابنة الثماني سنوات أيضاً، لرجل عجوز من أسرتهم كي يتوقفوا عن هدر دمه، وكي يوافقوا على صلح أسري ينطبق عليه قول أبي النؤاس:
وداوني بالتي كانت هي الداء
أو القول المأثور: العين بالعين والسن بالسن.. والطفلة بالطفلة.
والمؤسف حقاً أن من أفتى بهذا الزواج المؤلم والمخزي هم مشايخ الأسرة، والويل ثم الويل لمن يرفض للمشايخ طلباً ولو أدى الى تدمير حياة طفلة، وقضى على طفولتها البريئة، ودنّس عذريتها بأنفاس رجل عجوز، يسيل ريقه، وتتفجر ذكوريته وهو يراها تتألم كالفراشة في فراشه.
وحدها (زيتون) زوجة سليمان خان الأولى، ووالدة العروس القاصر التي فضّت المشاكل، قبل أن تفض بكارتها، رفضت الاتفاق المشين بين العائلتين، ورفعت صوتها بوجوه مشايخ الأسرة، واتجهت الى أقرب مخفر للشرطة، لتخبرهم عن بيع طفلتها لعجوز بسبب مجون والدها، وشراهته الجنسية.
لقد تأخرت الست (زيتون) سنتين عن القيام بواجبها الاخلاقي والانساني والعائلي، فلقد كان من الأفضل أن تزور المخفر قبل أن يرتكب بعلها جريمة زواجه الثاني.. لا أن تنتظر كل هذه المدة لتقع طفلتها ضحية الجهل والانانية والاستبداد كما وقعت درّتها القاصر من قبل.
(ثناء نيوز) الباكستانية ذكرت أن والد الطفلة (سليمان) وعريسها الميمون (دريا)، قد شمّعا الخيط وفرّا من أيدي العدالة، إذا وجدت عدالة، وانشقت الأرض وابتعلتهما، كي لا يدخلا السجن.
والظاهر أن الوالد والعريس أقرباء، أي من عائلة واحدة تتفرع منها عدة عائلات أو بيوت، فلماذا الخوف إذن على شرف العائلة في الزواج الأول، وتدنيسه، كما لم يدنّس شرف، في الزواج الثاني؟!.
أم أن زواج الطفلة الأولى قد تم عن طريق الخطيفة، وهذا حرام بعرفهم العائلي، ويتوجب هدر دم مرتكبيه.. وزواج الطفلة الثانية قد تم عن طريق الاتفاق والمراضاة، وهذا حلال، ويتوجب تهنئة كل من يقوم به؟!.
إنهما طفلتان قاصرتان صغيرتان.. وليستا سلعتين نبيعهما بالمزاد العلني، أو نبرم حولهما الاتفاقات الجنسية الوحشية دون معرفة منهما أو استشارة، وكيف نستشيرهما بأمور شرسة كهذه وكل همهما اللعب، والغنج، والدراسة، واستقبال الحياة بابتسامة تغار منها الشمس.
وقد يحزن البعض إذا أخبرتهم أن هذه الجريمة البشعة ليست الأولى، بل هي واحدة من آلاف الجرائم التي ترتكب بحق الطفولة في إقليم السند الباكستاني، وفي كل بقعة من بقاع الأرض.. ولا من يتكلّم.
لست أدري لماذا ينعم الله بالأطفال على أناس لا يستحقونهم.. لا بل يرتكبون بحقهم أبشع أنواع الجرائم، بينما يترك بيوتاً كثيرة دافئة بدون ضجيجهم المحبب، وغنجهم المعسول، وابتساماتهم المشرقة، ويحرم ملايين الآباء والامهات المثاليين من نعمة تربيتهم، كما يجب أن تكون التربية، أو كما تستحق فلذ الأكباد من التفات وتشجيع وحنان ومحبة.. وحماية.
**
حاكموا رفات هذا الوالد
رغم محاولاتي المتكررة للابتعاد عن الكتابة، في زمن كل ما فيه مقلق ومتعب وقاتل. ورغم لجوئي إلى مصح الانطواء على الذات، كي أتخلص من إدماني على القراءة والكتابة، إلا أنني فشلت، وعدت الى متاعبي الكثيرة، التي بدأت تتعب كل من يمت لي بنسب أو قرابة.
وكيف لا أكتب، والأطفال مهددون تحت كل سقف، داخل غرفة ما، خلف جدار معتم، وراء باب مقفل.. وعلى طاولة الميسر.
وها هي رشيدة بيغم، الطفلة الباكستانية تصرخ بأعلى صوتها لوكالة الصحافة الفرنسية: انا لست ورقة يلعب بها هذا الرجل. وافضل الموت اذا لم استطع حماية نفسي وكرامتي».
فلقد قامر عليها والدها المرحوم رحيب، قبل أن يودّع هذه الدنيا، وهي في عامها الأول، وخسرها أمام أحد أقربائه في لعبة البوكر.
فبدلاً من أن يلاعبها في طفولتها، لعب عليها وخسرها، لتخسر بدورها حريتها في اختيار شريك حياتها. وبدلاً من أن يهبها الدفء الوالدي، رماها في صقيع أنانيته وإدمانه على لعب الميسر.
هو من قرّر، ومن قامر، ومن خسر.. أما هي، فكانت بنظره قطعة أساس، ورقة نقدية، جورباً، حذاء، ثوباً بالياً، مصدر ربح أو خسارة.. ولم تكن قط فلذة كبد، كما يجب أن تكون، ويحق لها أن تكون.
وما أن نضجت رشيدة، وبانت محاسنها، وأشرقت شمس ابتسامتها السمراء الخجولة، وبدأت أعوامها الخمسة عشر تجمّل لها الحياة، وتصورها بأبهى حلة، حتى ظهرت الغمامة السوداء التي خلفها والدها المرحوم في أجواء منزله، إذ طالب بها قريب الوالد، كونها حق مكتسب له، بعد أن ربحها من والدها بلعبة البوكر.
ولكي تدركوا مدى الانحطاط الأخلاقي عند بعض الآباء، وجب علي أن أخبركم أن المبلغ الذي خسره الوالد لا يزيد عن 166 دولاراً، هو ثمن غشاء بكارة رشيدة لا غير، لأن هذا ما يحلم به ذلك القريب البعيد عن القرابة بعد السماء عن الماء. وإلا لما شارك الوالد بجريمته، ولما انتظر خمسة عشر عاماً حتى أينعت الطفولة وطاب أكلها، ولكان اختفى خجلاً من أعين قريبته الصبية التي طمع بعذريتها منذ العام الأول من رحلتها الشاقة مع الحياة.
يجب محاكمة هذا القريب، وإنزال أشد أنواع العقوبة بحقه، كي لا تتفكك أواصر القربى، وكي لا تبتلى الطفولة بأقرباء لا تهمهم سوى المتعة، ولا تنبض بقلوبهم سوى الأنانية، ولا يتراقص على شفاههم إلا لعاب الغدر.
كما يجب نبش قبر ذلك الوالد، وجلب رفاته إلى قاعة المحكمة، ومحاكمته أمام عينيّ ابنته المظلومة، بغية الاقتصاص منه، ليصبح عبرة لكل والد أناني جحود.
أجل.. في القرن الحادي والعشرين يقف القانون الدولي عاجزاً أمام جرائم عديدة ترتكب بحق الطفولة، وما زلنا نتغنى بمنظمات حماية الطفل، وحقوق الطفل، وتشجيع الطفل وما شابه.

**

اقلب الصفحة من فضلك

يلوطون ثم يحتجون

رقصة الدبكة كالدين تفرّق ولا توحّد
قرأت خبراً أضحكني جداً، كوني عاينت مثله في أستراليا ، أثناء حضوري حفلة فنانة لبنانية معروفة، لن أذكر اسمها، تقديراً لها ولصوت استرحامها المتعاركين كي يهدأوا ويعقلوا، ويعودوا الى طاولة الفرفشة والحوار.
وصدقوني إذا قلت ان صوت استغاثتها، رغم مرور السنين، ما زال يطن في أذنيّ، خاصة وأن الجمهور المتدافش لم يسمعه على الاطلاق، وكيف يسمعه وصراخ المتشاجرين يصم الآذان ويدعو كل ذي عقل وبصيرة الى الهرب.
والخبر يقول ان مشاجرة جماعية حصلت في ريف دمشق بين أفراد من خمس عشائر بسبب رقصة الدبكة الشعبية.
والظاهر أن كل عنتر من عناتر العشائر الخمس أراد أن يبزّ الآخرين (بخبطة) قدمه على الأرض، تيمناً بأغنية فيروز الشهيرة:
خبطة قدمكن ع الأرض هدارة.. هدارة.. هدارة
ليسحر برقصته الصبايا، علّه يحظى بحبيبة، أم بزوجة، أم بعشيقة لا فرق، المهم أن لا يطلع من مولد الدبكة الشعبية بدون حمّص.
إلى أن هدرت القبضات الفولاذية والعصي والحجارة فأصيبت امرأتان مسكينتان أرادتا الرقص فحصدتا اللكمات والألم والنوم في المستشفى.
وبما أن الشعوب العربية تتمتع، والحمد لله، أنّى حلّت، بأرجل متشابهة، وبدبكة واحدة، سورية كانت أم لبنانية، فلقد أشعلت الدبكة ليل سيدني أيضاً، وجعلت الشرطة الأسترالية تلعن كل ما يمت الى الرقص بصلة، كما أن زمامير سيارات الاسعاف قد طيّرت النعاس من أعين الآلاف من سكان الضواحي المجاورة للقاعة.
لماذا؟!.. لأن امرأة جميلة ومهضومةً جداً، نزلت على الدبكة، كما نقول في لبنان، وأرادت أن تمسك بيد آخر رجل في ذنب الدبكة، كون الدبكة تسير كالحية، لها رأس وذنب، رأسها القائد وذنبها كل من أراد الالتحاق بالرقصة، فرفض أخونا تسليم أصابعه الخشنة لأصابعها الناعمة، لسبب ما، فغضبت أختنا من تصرفه الأرعن، ونزعت عنها ثوب الجمال والأنوثة، وعادت الى طاولتها المجاورة لطاولتي والشرر يتطاير من عينيها، وراحت تهمس في أذن زوجها أشياء وأشياء والدموع تترقرق على وجنتيها الخجولتين.
وما هي إلا لحظات حتى هبّ أبو زيد الهلالي حاملاً قنينة ويسكي، وهجم على حلبة الرقص ليقذفها على رأس الرجل الذي لم يشبك يده بيد زوجته، ويشج رأسه.
هنا، قامت القيامة ولم تقعد، إذ انحشد للرجل المغمى عليه جميع الرجال الجالسين على طاولته، وبالمقابل انحشد للرجل الضارب جميع رفاقه.. لدرجة أصبحنا معها عاجزين عن الهرب، لكثرة المتعاركين والمتدافشين والمصلحين. ناهيكم عن الصحون الطائرة التي كانت تصيب رؤوس الناس الآمنين دون أدنى شفقة.
وصدقوني أنني كنت محظوظاً جداً، كوني كنت أجلس قرب المطبخ، فدخلت إليه لأجد الطباخين يأكلون ما طبخوه لنا، نكاية بنا وبجميع فنون الدبكة الشعبية التي وجدت أصلاً للتضامن والتكاتف والتعايش والتسامح والتلاقي، فأصبحت كالدين مصدر شرّ، ما ان تعقد حلقاتها حتى تظهر شراراتها وويلاتها.
العبرة من هذا كله، أن الشعوب العربية لا تجتمع إلا من أجل الشجار والقتل وزرع الفتن، وكأننا لا نستأهل العيش الكريم كباقي الشعوب.
فمن غيرنا، يتعارك أثناء تأدية الصلاة، كما يحصل الآن في عالمنا العربي؟
ومن غيرنا يرمي العديد من القتلى والجرحى أثناء مشاركته باحتفالاته الدينية؟
ومن غيرنا يهلل لبطولات الذين يفجّرون أنفسهم بأطفالنا ونسائنا وشيوخنا باسم الدين، بينما العدو يحصي عدد موتانا، ويساعدنا في نبش قبورهم؟
ومن غيرنا إذا رقص أشعل حلبة الدبكة حقداً حتى لا تتمكن كل سيارات الاطفاء من إطفاء نار همجيته واستبداده؟
من غيرنا، بربكم قولوا، يصطحب عقليته العربية المتزمتة المريضة أنى رحل، فيشوه بها البلد الذي يستضيفه، ويجعل كل من يشاهده أو يعاشره أو يستمع اليه يلعن ساعة وصوله الى بلده، كما يحدث الآن في كثير من بلدان الله المتأففة منا.
لقد تعب الكون منا ولم نتعب بعد من جهلنا وجاهليتنا وفحيح ألستنا الحاقدة. ومع ذلك نقول: نحن أفضل خلق الله.. قولوا: ألله!
**
كاد المعلم أن يكون.. ديكتاتوراً
شاءني الله أن أمارس مهنة التعليم لأكثر من ثلاثين سنة، وأن أشرف كل هذه المدة على تربية وتهذيب الطلاب في بلاد كل ما فيها قانوني، وعليك، قبل أن تتكلم مع الطالب أو تقاصصه، أن تحصي أنفاسك، وتنتقي مفرداتك كي لا يجرك الى المحكمة، ويقضي على مستقبلك المهني والاجتماعي.
ولهذا السبب يخضع المعلمون في أستراليا لدورات مكثفة حول كيفية التعاطي والتعامل والتكلم مع التلميذ، كي لا يجرحوا شعوره، أو يسببوا له بأذى نفسي، مخافة تعرّضهم للملاحقة القانونية.
وكم تألمت وأنا أقرأ خبرين تربويين، أحسست أنهما أقرب الى النكات منهما الى الحقيقة، الأول من الهند ومفاده أن معلماً أجبر تلميذه على السير عارياً أمام المدرسة لمدة ثلاث ساعات، بعد أن أوسعه ضرباً، والسبب كما أوردته صحيفة (ذا تايمز أوف إنديا) ونقلته الى العربية (الشرق الاوسط): ان تلميذاً اسمه “راكيش” لم يرتدِ بنطال (بنطلون) المدرسة المناسب، فوبخه المعلم، وأوقفه خارج الصف في احدى المدارس الحكومية في العاصمة نيودلهي.
والظاهر أن طقس نيودلهي كان حاراً جداً في ذلك اليوم، والوقوف خارج الصف المكيّف بالهواء مضجر ومتعب للغايةً، لذلك قرر (راكيش) مع مجموعة من رفاقه السباحة في خزان المياه الخاص بالمدرسة، وفجأة لمحهم نائب المدير، فلاذوا بالفرار، ولم يقع في قبضته إلا (راكيش) المسكين العاري حتى من ورقة التوت ، كونه لم يجد ثيابه، فأوسعه ضرباً، وأجبره على السير عاريا أمام المدرسة لمدة ثلاث ساعات.
لا أدري إذا كان يحق للمعلم، في بلاد كالهند، أن يضرب تلميذه أم لا؟ إذ أن مسألة الضرب لم تحسم بعد في بلدان كثيرة، ولكن لا يحق لأي كان، لا في الهند ولا في السند، أن يوقف طفلاً عارياً لمدة ثلاث ساعات أمام أعين الآخرين. فهذه جريمة أخلاقية قبل أن تكون تربوية، يجب أن يتعرّض مقترفها لأشد العقوبات، لا لأنه عاقب تلميذه، بل لأنه زرع بذور الشر والكراهية في قلبه وقلوب كل من شاهد منظره العاري، وأوحى لهم أن مسيرة الحياة لا تستقيم إلا بالبطش والتعذيب.
وكم يكون المشهد رائعاً ومؤثراً لو خلع المعلم قميصه وستر عورة تلميذه، مهما كان مذنباً وشقياً، لأنه بذلك ينمّي فيه روح الفضيلة والأخلاق، ويشعره بحنانه الأبوي، وبأن الحياة لا تقوم على السلبيات فقط، بل على المحبة والتسامح.
والخبر الثاني من السعودية، حيث أجبر معلم أحد طلابه على تقبيل قدمه أمام زملائه الطلبة في إحدى المدارس الابتدائية في المنطقة الشرقية.
والقصة كما روتها (الشرق الاوسط) تعود إلى مدرسة “محمد الفاتح” الأهلية في الدمام، حيث قام أحد الطلبة المشاغبين في الصف الخامس الابتدائي بشتم معلمه، مما أثار غضب المعلم وقام بتوجيهه إلى مرشد المدرسة، الذي اتفق معه على اعتذار الطالب علنا أمام زملائه بتقبيل رأس معلمه وقدمه.
ما هذا المرشد الذي يرشد إلى تقبيل الأقدام؟!
تقبيل الرأس مقبول نوعاً ما، أما تقبيل القدم، فجريمة مخجلة لا يرتكبها إلا معلم عربي، لأنه لن يعاقب عليها، كونه يعيش في مجتمع لا يفكّر إلا بالقدمين، والفخذين، والساقين.. وما فوقهما، وما تحتهما، وما يحيط بهما.
من هنا أجد أن التعليق على الخبر لا يجدي، طالما أننا نعيش في شرنقة جاهلية معتمة نسجنا خيوطها بغبائنا، وسجنّا أنفسنا بداخلها، ورفضنا أن نعايش عصرنا، مهما سطعت شمسه، ومهما قدم لنا من خدمات حياتية، قد نموت بدونها، ومع ذلك نفضّل أن نموت.
صدق من قال: الشعب العربي شعب ميت.. وإن كان يتنفّس.
**
يلوطون.. ثم يحتجون
انتظرت بعض الوقت كي أعلق على مواقف أناس متزمتين علا صراخ احتجاجهم على رقصات (مجنون ليلى) التي قدمها الفنان مارسيل خليفة في ربيع ثقافة مملكة البحرين، حتى لا يفوتني أي رد حول هذا الموضوع.
وكم فرحت عندما قرأت تصريحاُ لولي عهد المملكة يؤنب به الوزراء لتقاعسهم في الدفاع عن حرية التفكير والابداع، وأن ثورة البحرين ليست بالبترول وحده الذي لن تنعم به طويلاً، بل بحريتها وانفتاحها على العالم أجمع.
وكم ضحكت عالياً وأنا أقرأ خبراً من المغرب يظهر انفصاماً مؤلماً بشخصيات بعض المرائين المتلبسين بالدين، أولئك الذين يدعون علانية الخشوع والتوبة والتقرب من الله، ومحاربة كل ما يسيء الى العفاف والحشمة، حتى ولو كان إبداعاً فنياً تعجز مخيلاتهم الضيعفة والعقيمة من اللحاق به وفهم أبعاده، وفي الخفاء ينقضون على فريستهم، مهما كان عمرها، كالذئاب الجائعة.
والخبر يقول:
ألقي القبض في (أولاد برحيل) التابعة ادارياً لاقليم (تارودانت) على رجل له من العمر 65 عاماً، يعمل فقيهاً بأحد المساجد، بعد أن هتك عرض فتى قاصر عمره 8 سنوات بالقوة.
وبحسب صحيفة “الصحراء المغربية ” قال والد الطفل أنه عرض ابنه على فقيه (الدوار) لمساعدته في حفظ ما تيسّر من القرآن الكريم، فأبدى الفقيه رغبة جامحة في مساعدته بتحصيل العلم، وفجأة استأذن الطفل للذهاب الى المرحاض، فاصطحبه الفقيه بنفسه، كونه غريباً بين رفاقه، وهناك بانت محاسن طفولته فانقض عليه، وأغلق فمه، ثم ممده على بطنه، وهتك عرضه بلا شفقة أو رحمة، وبعد أن ارتوى منه، أمره بالتزام الصمت، فلم يجب المسكين بل هز رأسه علامة الموافقة. وما أن نهض عنه حتى فرّ هارباً ليخبر والده بما حصل.
واجزم أن من فعلها مرة مع طفل يافع سيفعلها، إن لم يكن قد فعلها مرات ومرات، مع باقي طلابه، مهما كانت أعمارهم، شرط أن يعجب بقوامه ولون بشرته.
وأجزم أيضاً، أن معظم الذين يرهبوننا بالدين، وبالقصاص، وباليوم الأول والاخير، هم على شاكلة هذا الفقيه، إن لم يكونوا أسوأ منه.
السؤال الآن: هل يحق لفقيه كهذا أن يبدي رأياً، أو أن يحتج على عمل فني أو أدبي رائع، أو على قصيدة شاعر مبدع، أو على أغنية فنان أصيل، أو على لوحات راقصة كل من فيها وما فيها ينقّط شرفاً، ويلتهب إبداعاً؟
لقد خسر العالم العربي معظم قدراته الفكرية والعلمية والبشرية بسبب تزمته الديني، ولم نعد نسمع إلا فتاوى من أباحوا الحرام لأنفسهم، وحجبوا الخير عن أعين المؤمنين المساكين الذين لا يدخلون المرحاض إلا بعد فتوى، بينما الفقيه ينتهك عرض طفل في مرحاض مماثل، دون أن يخاف من أهل، أو قانون، أو إله.
وصدقوني إذا قلت: ان من يحكم العالم العربي ليس حكامه، بل رجال دينه، والويل ثم الويل لمن يعاندهم أو يحاربهم، أو يتدمقرط (أي ينادي بالديمقراطية)، فنهاية السادات نهايته، ولن تنفعه الحراسة المشددة، ولا كلابه البوليسية، ولا مخابراته الفتاكة. هم الحكام الأصليون وما تبقى سراب بسراب.
هناك خطأ ما في تركيبتنا العقلية والاجتماعية والدينية، فبينما نجد الإعلام الغربي يحذف أخبار رجال دينه من نشراته الاخبارية وبرامجه التربوية والترفيهية والاجتماعية كافة، ولا يسلط الأضواء عليهم إلا إذا ارتكبوا إثماً، أو سرقوا مالاً، أو هتكوا عرضاً، كفقيهنا الآنف الذكر..
وبينما نجد المجتمع الغربي لا يهتم بفتاوى رجال دينه، ولا يسمح لهم بالتكلم إلا داخل أماكن عبادتهم، نجد الإعلام والأنظمة والمجتمع وكل من ينطق الضاد في عالمنا العربي ينقاد كالأعمى وراء رجال دينه، أخطأوا أم لم يخطئوا، أصابوا أم لم يصيبوا، أفتوا أم لم يفتوا، هم القبلة، وإليهم التطلع، ومنهم تأتي البركات.. فتصوروا!
لهذا، ولهذا فقط.. لم نصبح بشراً كباقي البشر!

**

اقلب الصفحة من فضلك

أين الفياغرا يا ناس؟

فتّش عن المرأة
بين النمسا وجارتها ألمانيا قصّة تاريخيّة حقيقية حدثت أيام المرحوم (هتلر)، تحوّلت فيما بعد إلى فيلم سينمائي أنتجته (هوليوود)، وقامت ببطولته المغنيّة الشهيرة (جولي أندروز)، وكان اسمه (THE SOUND OF THE MUSIC).
وبما أن الفيلـم مشهور للغاية، فسوف لن أخبركم شيئاً عنه، بل سأحكي عن (المرأة) فيه، عن الغيرة القاتلة التي اجتاحت قلبيْ بطلتي الفيلـم الواقعتين بغرام القائد النمساوي الشاب، الذي خلّفت له زوجته المرحومة أيضاً نصف دزينة من الاولاد.
الغيرة، إذن، هي التي أعطت الفيلـم نكهة ولا أجمل.. إمرأتان تتزاحمان على قلب واحد.. الاولاد يحبّون (الراهبة المربية)، والوالد يحب (الكونتيسة الغنية).. ولولا مصداقيّة المؤلف لتلاعب بالقصة، ولجعل إحدى المرأتين تتخلّص من الأخرى بأية طريقة كانت.
عيب أن تقتل إنسانة مشبعة بالحرية والاستقلالية والتفهم منافستها.. هكذا قرّر مؤلف الفيلـم المتحرّر جداً جداً وهكذا صار.. أمّا عندنا في الشرق فالويل لك إذا تحرّكت، أو احتججت، أو طالبت بحقّك في العيش بدون مشاكل عائلية.. فلسوف يلحقك (الشاي المسمم) إلى القبر.. وخير دليل على صحة ما أقول ذلك الموظف المصري المسكين (حمدي) الذي دسّت له زوجته (سنيّة) السـمّ في الشاي، لأنه طرد والدتها من المنزل، بسبب إزعاجها الدائـم له، وحياكة الدسائس والمشاكل بينه وبينها.
(أمّي حَ تبقى يا سي حمدي.. أو حَ تروّح إنتَ).. هذا ما قالته (سنيّة) في سرّها.. ولكن الزوج كان أقوى من سـمّ الزوجة، فلـم (يروّح).. بل أخبر مباحث القاهرة بما فعلت به (سنية) بعد أن تشاجر مع والدتها وقام بطردها.. وكيف قدّمت له طعام الغداء، مرفقاً بفنجان من الشاي.. وكأن شيئاً لـم يكن.. وما أن بدأ بشربه حتى أحس بغرابة طعمه، ولكنه واصل الشرب إلى أن فقد الوعي، ونقل إلى مستشفى ضاحية المطرية.
وبما أننا في القاهرة، أحب أن أخبركم قصّة السيّدة (سيّدة) البالغة من العمر 65 سنة، والتي تقدّمت بدعوى الطلاق من زوجها لأنها تخشى على نفسها من (الفتنة) بسبب جمالها وأناقتها وملاحقة شباب الحارة لها، وإسماعها أجمل عبارات الغزل والتحبّب.
وادعت (سيدة) بأن زوجها التاجر يتركها وحيدة في البيت عدة أسابيع، وخاصة بعد زواج أبنائهما الخمسة.. وهي تخاف على نفسها من الوقوع بالفتنة، أي بالخيانة الزوجية، لذلك طلبت الطلاق من محكمة مصر الجديدة.
وعندنا في سيدني أيضاً، استمعت إحدى المحاكم إلى قضية مؤسفة حقاً، حدثت منذ مدة، مفادها أن رجلاً أردنياً مسيحياً، استأجر أحد رجال التحري الخاصّين من أجل قتل ابنة شقيقه (ربى) لأنها أحبّت رجلاً لبنانياً مسلماً وحملت منه.. وهذا ما سبب العار للعائلة.
التحري الخاص أوقع بالعم المسكين بعد أن سجّل لقاءاته معه على شريط سلّمه للبوليس..
محامي المتّهم نفى التهمة بتاتاً عن موكله، ولكن القاضي رفض إطلاق سراحه بكفالة.. والى جلسة أخرى.
فتّش عن المرأة.. تلك التي تهز السرير بيمناها والعالـم بيسراها.. تلك التي إذا أعددتها أعددت شعباً طيّب الأعراق.. فلو همست كل أم بأذن ولدها أن اللـه محبّة، لا يفرّق بين أبيض وأسود، ولا بين دين وآخر.. لما تمكنّت الطوائف من زرع الشقاق أينما حلّت.. وكأن الحب بحاجة إلى شهادة منها، أو من مستثـمريها، كي يجمع بين قلبين. فلا شيء يرضي اللـه، خالق الناس أجمع، أكثر من التخلي عن الوثنية الطائفية والتحلي بالمحبة.. فمن يفرّق بين الناس لن يدخل الجنّة ولو صلّى وصام أبد الدهر.. فاللـه ليس بحاجة إلى صلاة وصيام إنسان ماكر.. مفتن.. طائفي!!
وفي ألمانيا، ألقت شرطة مدينة (كولون) القبض على امرأة بولندية اسمها (إليسيا) وعمرها 45 سنة، لأنها باعت أكثر من 200 امرأة من أوروبا الشرقية لبيوت الدعارة في برلين وكولون وبعض المدن المصطفة على نهر الراين. واعترفت القوّادة (إليسيا) أنها أهدت الشعب الالماني فتيات جميلات تتراوح أعمارهن بين 18 و20 سنة.. وبدلاً من مكافأتها على (حسن صنيعها) ها هم يحاكمونها. وتناست أنها جمعت من هذه التجارة أربعة ملايين مارك ألماني (أيام المارك) خلال سنتين فقط.. وانها تملك مزرعة وخيولاً في مدينة (غدانسك) البولندية، وبيتين في مدينة (كولون)، و84 قطعة مجوهرات باهظة الثـمن.. ومع ذلك تريد مكافأة على (غانياتها) الجميلات.
مسكينة (إليسيا).. فلو هرّبت هؤلاء الفتيات (اللقطة) إلى إحدى الدول العربية، لأصبحت (وزيرة) بدون أدنى شك.. فلقد دلّت الاحصاءات على أن (حبوب الفياغرا) لـم تلقَ رواجاً في أي من البلدان، أكثر مما لاقته في الدول العربية.
سألني أحد وجهاء الجالية العربية في سيدني، إذا كانت (إليسيا) قد أرسلت إلى أستراليا بعض بناتها الصغيرات، فتطلّع بوجهي وصاح: واللـه العظيم سأخبر زوجتك..
وقبل أن أتصّل بزوجته، رأيته يسرع إلى أقرب محل لبيع الزهور ويرسل لها باقة من الورد الأحمر، مخافة أن تفعل به ما فعلته (سنية) المصريّة بزوجها (حمدي)!!.. حمى الله صديقي.
**
أين (الفياغرا) يا ناس؟!
رغم فوز مكتشفي عقار (الفياغرا) الشهير بجائزة (نوبل) للعلوم، نجد أن شهرة هذا (العقار) قد اضمحلّت بتاتاً، حتى أن تداوله قد خفّ كثيراً رغم سماح حكومات معظم دول العالـم باستعماله. فلقد ذكرت إحصائيات صدرت عن شركة (اي ام اس هيلث) المتخصصة بصناعة الادوية، ان الجنون الذي اجتاح الذكور الاميركيين من أجل الحصول على (الفياغرا) قد تراجع كثيراً.
ورغم مرور عدة سنوات على توزيعه في أستراليا، نجد أن الذكور الاستراليين لـم يتحمّسوا له كثيراً.. لدرجة أن العديد من الصيدليين صرّحوا انهم ينفّضون الغبار كل يوم عن علب (الفياغرا)!!. ومن يدري فقد يكون ثـمنه الباهظ (80 دولاراً) هو الذي أبعد الطامعين بالفحولة عنه.. خاصة وأن معظم شركات التأمين الصحي لا تعوّض عن ثـمن (فياغرا)، إذ أن فياغرا يمنحك اللذة، وهي غير مسؤولة عن لذتك.. بل عن مرضك!
ومن يدري فقد يكون شرش الزلّوع الذي اكتشفته عنزة لبنانية في جبل حرمون، هو الذي بدأ يهدد منافسه (الفياغرا). أنا لـم أر هذا الشرش بعد، ولكنني سمعت به وقرأت عنه، وعرفت أن الصيدلي المدافع عن البيئة بيار ماليشيف سيقدم، إذا لم يكن قد قدّم، الى وزارتي الصحة والبيئة اقتراحاً بتوسيع زراعة نبة (سيريلا هارموني) المعروفة بشرش الزلوع، وحمايتها من الانقراض بعد الهجوم العشوائي عليها بغية بيعها بثلاثين دولاراً للكيلو غرام الواحد.
الأمة العربية وحدها عرفت كيف تذلّل الفياغرا لشهواتها، فلقد سمح مفتي الديار المقدّسة باستعماله، لأنه مفيد (للذكر)، ولو كان مفيداً (للمرأة) لحرّمه!!. كل شيء يصبح محللاً من أجل عيون الذكر فقط!!. والويل لنا إذا قلنا أن الارض مستديرة، فسيرمينا (مفتينا) بالكفر!!. والويل لنا إذا طالبنا بالسماح للمرأة السعودية بقيادة السيارات، فسنعدم حالاً. إنه شرعنا المذكّر مليون في المئة، شئنا أم أبينا، ومن يحتج مثلي عليه أن يرحل إلى إنكلترا، أو إلى.. أستراليا!.
شركة (ألفا) السورية لصناعة الادوية حصلت، والحمد للـه، على امتياز تصنيع (الفياغرا) من الشركة الأم. ومن يدري فقد تصاب الشركة بالافلاس إذا امتنع المواطن السوري عن استعمال (الفياغرا) كما امتنع الاميركي والاسترالي وغيرهما.
وكما تهرب (حشيشة الكيف) إلى مصر، هكذا بدأوا يهربون حبوب (فياغرا) السحرية، ولكن رجال الجمارك يقفون للمهربين بالمرصاد. فلقد أحبطوا محاولة تهريب (750) علبة، تقدر قيمتها بربع مليون دولار. المهرب صيدلي أميركي من أصل مصري، وكان من المقدر ان يبيع الحبّة الواحدة، لو نحجت عملية التهريب، بمئة جنيه مصري لا غير، فتصوّروا!
أما في فرنسا فقد لجأ السيّد جان لوي جالو صاحب مطعم (رينوفاسيون) إلى طحن حبوب (الفياغرا) وإعداد صلصة مهيّجة جداً يطبخ بها لحم البقر، ويقدّمه لزبائنه الكبار في السن، الذين لا هم له سوى إسعادهم (جنسياً).
وصدقّوني أن (الصلصة) الفياغرية نجحت، وها هي إحدى الزوجات تقول: أن الوجبة التي أكلناها أنا وزوجي كانت إيجابية إلى حد ما.
ولأن (الفياغرا) تقتل المصابين بأمراض القلب، فلقد تناهى لأسماعي أن المليادير الكومبيوتري الشهير بيل غايت قد وظّف بعض ملايينه لاكتشاف عقار شبيه بها ولكنه لا يقتل أحداً.. أللـه يوفّقك يا بيل غايت، ويأخذ بيدك، رأفة بي وبأمثالي من قرّاء مجلّة إيلاف.
**
زعماء أشاوس
لبنان، ومنذ بزوغ فجر استقلاله، يعيش تقلبات سياسية موجعة لدرجة قيل معها: كل عشر سنوات هناك حرب أهلية في لبنان. وما نراه اليوم هو امتداد لتلك التقلبات، لن يتغيّر ما لم يتغيّر نظام الحكم الطائفي، وتلتغى المحاصصة الطائفية، وتتلاشى الكانتونات الطائفية.
لبنان، كما نراه مقسم طائفياً، بشكل مقرف، فبمجرد أن تذكر اسم منطقة فيه حتى تنعتها طائفياً، لذلك نجد أن معظم سياسيينا لا يعملون من أجل مصلحة لبنان ككل، بل من أجل مصلحة مناطقهم الضيقة التي تعطيهم القوة والاستمرار.
فبكل الأسف أقول ان لبنان لن ينعم باستقراره، ما لم ينعم باستقلاله، فالتدخلات الأجنبية تتلاعب به كما تتلاعب الرياح بأوراق الأشجار الخريفية، والنعرات الطائفية تقض مضجعه إثر كل غياب شمس، وزعماؤه الأشاوس لا تهمهم سوى مراكزهم، والويل لمن يتطاول عليهم. إنهم جبنة الوطن المعفنة الفاسدة، وعلينا أن نلتهمها باستمرار..
جريمة اغتيال الحريري يجب أن لا تمر دون عقاب، كي لا تحصل جرائم أخرى، قد لا تصيب السياسيين بل أرباب القلم، كما حصل مع مي شدياق، وجبران تويني، وسمير قصير، وسليم اللوزي وغيرهم. ولكنها ليست السبب فيما يحصل بلبنان، لأن لبنان كما قلت سابقاً، مبني على بركان طائفي، ينفث حممه باستمرار، ولن يتمكن متمكن من إخماده ما لم نبنِ المواطن العلماني، الذي لا تهمه أولاً وأخيراً، سوى مصلحة وطنه لبنان.
كما أن اسرائيل ليست بحاجة إلى ذرائع كي تهاجم لبنان، فأرضه مباحة لها ولغيرها، وهنا الطامة الكبرى.. إذ كيف يقبل لبنان على انفراج سياسي وأمني واقتصادي واجتماعي، وكل من فيه، وكل من حوله، أعداء له، وإن اختلفت التسميات.
لقد قال أحدهم: إنقاذ لبنان لن يتم إلا بإعجوبة، وأعتقد أن هذه الأعجوبة لن تتم إلا بأيدي الشرفاء من أبنائه، فتعالوا نعمل بإخلاص من أجل إنقاذه. إنه وطننا الذي لا وطن لنا في الشرق إلاه. له نتطلع وبه نحلم، ومن أجله نشدو ونكتب وندمع.
**
طفلة سعودية تصفع حكّام كرة القدم
صدقوا أو لا تصدّقوا.. فتاة سعودية لم تبلغ بعد ربيعها الثاني عشر، أثارت ضجة رياضية وشعبية واعلامية بسبب وجودها على مدرجات ملعب كرة القدم في منطقة الاحساء شرق المملكة، بغية مشاهدة المباراة بين فريقي النهضة والعروبة المتنافسين على كأس الأمير فيصل بن فهد.
فتاة، كالزهرة، كالملاك، أغضبت كل من حولها، لأن لا مكان لها في ذلك المكان، لا لشيء، إلا لأنها أنثى.. فتصوروا؟
حكم المباراة، الذي لا يفوته شيء، لا في الملعب ولا في المدرج، انتبه لوجود الفتاة بين جمهور المشجعين، فأبى أن يطلق صفارة البداية ما لم يطردوا هذا (الكابوس) المخيف، الذي اسمه (المرأة) وإن كانت طفلة، من المدرجات.. فاستدعى لذلك الحكم الرابع، وبدأت جلسة المشاورات المكوكية بينهما، إلى أن أقنعه أن وجود الفتاة لا يعنيهما كحكام مباراة، كونه ليس فنياً بل إداريا، وعلى ادارة الملعب واجب طرد (الكابوس) المخيف بأسرع وقت.
ورغم البلبلة والتأخير والتهويل، بقيت الفتاة لمدة 36 دقيقة متمسكة برباطة جأشها، تصفّق مع تصفيق الجمهور، وتهلل مع تهليله، إلى أن طفح الكيل مع مسؤولي الملعب، فطلبوا منها الخروج، فخرجت دون اعتراض.
وأعتقد أن تلك الطفلة المسكينة قد تعرّضت لثورة تأنيب داخلية، وراحت تتحادث مع صوت لا تعرف مصدره:
ـ لا تخافي يا ابنتي..
فأجابته وهي تلتفت نحو الملعب:
ـ وكيف أخاف من أناس يخافونني.. ألم ترهم كيف تجمّعوا وتكاتفوا من أجل حرماني من التلذذ بفنون لعبة كرة القدم؟
ـ رأيتهم.. رأيتهم.. لقد أرعبتهم..
ـ من أنت؟
ـ أنا واحد من أولئك.. ولكنك لا تخيفنني..
ـ إذا كنت، كأنثى، أخيف الرجال، وأنا ما زلت طفلة، فكم بالحري عندما أكبر؟
ـ سيأتي يوم تتبارين فيه أنت بهذه اللعبة.
ـ إلى أن يأتي ذلك اليوم، سأتخلى عن أنوثتي..
ـ تمسكي بها يا ابنتي، فأنت أجمل مخلوقات الله، بك الحياة ومنك..
ـ لم أفهم شيئاً..
ـ ستفهمين عندما تكبرين..
ـ إذا كانوا سيطردونني من مجتمعاتهم كالذبابة، لا أريد أن أكبر..
وأعتقد أيضاً، أن طفلتنا المسكينة، لو كانت تعلم بقوانينا المشوربة، لما أحبت كرة القدم، ولما عشقت الألعاب الرياضية، ولما دخلت المدرجات، ولما فتحت ذراعيها للشمس والظلمة تتربص بها.
إذا كان وجود هذه الطفلة على المدرجات الرياضية سيغيّر مجرى المباراة، وجب على الفريق الخاسر استبدال لاعبيه بلاعبين أفضل.
وإذا كان صوت تلك الطفلة وهي تشجع فريقها، سيثير غرائز الرجال، وجب علينا تثقيف الرجل، واستئصال غريزته الحيوانية العمياء من جذورها.
وإذا كان خوفنا على أخلاق الطفلة من الانحراف بسبب وجودها بين الرجال هو السبب في طردها، وجب علينا تثقيفها، وتهذيبها، وتعليمها، كي تصبح أهلاً للأمومة والتربية الصالحة.
رجل بعين واحدة لن يرى أفضل من رجل بعينين سليمتين، ومجتمع برجل واحدة لن يسير البتة، وسيكبو إثر كل نهوض إلى أن يتعب منه العالم.

**

اقلب الصفحة من فضلك

جنس + جنس = عولمة

ماذا سيأكل الهنود؟
كلنا يعلم أن القوّة البشرية العظمى في الوقت الحاضر هي الصين، إذ يبلغ عدد سكانها ربع سكان العالـم تقريباً (مليار ومئتا مليون نسمة)، يسكنون ثالث أكبر مساحة أرضية مربّعة (516000 كلم2) بعد الإتحاد السوفياتي وكندا .
ولكن، وبعد تحديد النسل الصارم في الصين، طفل لكل عائلة، وجد الخبراء أن الهند ستتغلب عليها بعدد السكان في مطلع القرن الحادي والعشرين، إذ أن الهند لـم تشرّع بعد قانوناً صارماً لتحديد النسل كما فعلت الصين، وهذا ما سيعطيها دفعاً سكانياً لا مثيل له، قد يغيّر المعادلات الدولية، ويقلب الطاولة رأساً على عقب .
والظاهر أن السؤال الذي طرحته في (إيلاف) الأسبوع الماضي: هل سنأكل القطط والكلاب؟ قد أثار حماسة أحد القراء فكتب ما يلي: اطمئن يا شربل، فلا أنت ولا نحن سنأكل القطط والكلاب حتى ولا ضب خالد بن الوليد، فشعوب البلاد العربية ما زالت تعيش في رفاهية تحسد عليها من قبل شعوب أخرى، كالشعب الهندي مثلاً، فماذا سيأكل الهنود بعد عشر سنوات، وهم يتزايدون بسرعة هائلة؟ هذا هو السؤال الواجب طرحه والإجابة عليه.
والهند، لمن لا يقرأ كتب الجغرافيا، شبه جزيرة تقع في جنوب قارة آسيا، تحدها من الشمال جبال حملايا التي تفصلها عن الصين وبهوتان ونيبال، ومن الشرق بورما وبنغلادش وخليج البنغال، ومن الجنوب المحيط الهندي، ومن الغرب باكستان وبحر عُمان .
ومن يدري، فقد يبدأ سكان الهند، المتزايدون بشكل مخيف، بأكل لحوم البقر، إذ أن عاداتهم رغم فقرهم وعوزهم، تحرّم ذلك، فأصبح لديهم، من جراء هذا التحريم، أكبر قطيع من الأبقار في العالـم، يسرح ويمرح على ذوقه في طول البلاد وعرضها، ومن حسن حظّهم أن جنون البقر لم يضرب قطيعهم بعد، كما ضرب أبقار إنكلترا وغيرها من دول العالم .
بمختصر العبارة، هم يعتبرون البقرة حيواناً مقدّساً، يموتون جوعاً ولا يأكلونها، وهذا من حقّهم طبعاً، طالما أن الدين المسيحي يحرّم علينا أكل اللحوم يوم الجمعة، خاصة في الصيام الخمسيني، والدين الاسلامي يحرّم علينا أكل لحم الخنزير، تماماً كما يحرّمه الدين اليهودي .
فإذا كان الهنود لا يأكلون البقرة لأنها مقدسة، واليهود والمسلمون لا يأكلون الخنزير لأنه منجساً، أفلا تعتقدون مثلي أن القداسة والنجاسة اتفقتا على مبدأ واحد ألا وهو تحريم أكل لحوم معينة، على شعوب معينة، بينما باقي الشعوب يتهافتون لملء بطونهم منها، دون أن يصابوا بأي مكروه!.
ورغم وجود قصر(تاج محال) أحد عجائب الدنيا في الهند، إلاّ أنها تعتبر دولة غير متطورة من ناحية العمران والاقتصاد بسبب كثرة السكان وانتشار الفقر والطبقية في البلاد، أضف إلى ذلك وحشية مناخها المتقلّب الذي كثيراً ما يقضي على مواسمها الزراعية .
في الصين يأكلون الحيّات والكلاب والنمل وغيرها، وقد أخبرتني إحدى الزميلات أنها زارت الصين، ودخلت مطعماً يوفّر لزبائنه أطباق النمل، ولكنّها لم تأكله، ليس كرهاً به، بل نظراً لارتفاع ثمنه، إذ ناهز المئة دولار .
يقول بعض الأخصائيين الغذائيين أن طبق النمل مفيد جداً لصحّة الإنسان كونه يحتوي على كمية هائلة من البروتين، ومن يدري فقد يصبح الطبق الأوسع انتشاراً في العالم بعض همبرغر الماكدونالد، التي بيع منها ما يصل الأرض بالقمر، إذا وضعت فوق بعضها البعض، على أربع رحلات مكوكية .
فماذا سيأكل الهنود بعد عشر سنوات، إذا أصبحوا القوة البشرية الكبرى في العالـم؟ .
الأرز مفقود .
لحم البقر محرّم ..
الهمبرغر لا يقدرون على شرائها، ولا يأكلونها أساساً .
الدجاج احتكرته شركة الـKFC
السمك لا يسد جوع الصين ..
النمل أغلى من الذهب والماس ..
القمح.. سلاح بيد أميركا، وبلادنا العزيزة أستراليا .
القطط والكلاب والقرود والفئران والصراصير وغيرها وغيرها، انضمت إلى لائحة مأكولاتنا الشعبية في الوطن العربي، بعد أن أفتى الشيخ عبد الحميد الأطرش بذلك، وهيهات تسد جوع 300 مليون عربي، ومليار ونصف صيني.
الحل الوحيد يكمن في تحديد النسل.. طفل واحد لكل عائلة، ومن لا يعجبه القانون فليبقَ عازباً.
**
هل رأيتم جبلاً للقمامة من قبل؟
لـم ألتقط صورة جبل الزبالة ـ القمامة في برج حمّود كي أشوّه صورة لبنان السياحية، وأمنع الغيّاب من العودة إليه، أو المصطافين العرب من التنعم بمناخه الرائع، كما قد يعتقد البعض. ولكنني التقطتها لغرابة الجبل، لموقعه، لعلوه، ولعدم وجود جبل مثله على الاطلاق.
صحيح أن لبنان مرّ بحرب مؤلمة للغاية دامت ربع قرن، وصحيح أن البنية الإدارية، التحتية والفوقية، قد تعطّلت كلياً خلال تلك الحرب اللعينة، ولكن الأصح هو أن بعض اللبنانيين يحبّون الفوضى، ويريدون التخلّص من نفاياتهم بأية طريقة كانت، حتى ولو رموها في غابة أرز الربّ، أو أخفوها تحت أسرّتهم، أو بنوا بها جبلاً تخجل منه الجبال، وتشمئز من التطلّع إليه!!..
وإذا راجعنا سنوات الحرب اللبنانية، لوجدنا أن الميليشيات المتحاربة قد جرفت كل شيء، الاسواق التجارية، الفنادق، البنايات الشاهقة وغيرها. ولكنها لـم تفكّر، ولو للحظة واحدة، بجرف الزبالة من تحت شبابيك الناس وطمرها بالجرّافات التي طمرت بها منازلنا، فنادقنا، وأجساد خيرة شبابنا، في أرض بعيدة عن السكن.
الجرافات موجودة، ولكن لتنفيذ مهمات أخرى، كلنا نعرف ما هي. دون أن يرفّ جفن مسؤول واحد، أو يتأفف من رائحة القمامة، حتى أن بعض الناس بدأوا يألفون منظر الجبل وسط منازلهم، ومن يدري فقد يعملون مستقبلاً على فرزه قطعاً أرضية صالحة للبناء، تدر على الدولة ملايين الدولارات، نظراً لموقعه المميّز، وارتفاعه في وسط المدينة.
عندما عرضت صورة جبل القمامة على نائب لبناني التقيته في سيدني، ضحك وقال: هناك جبال كثيرة في لبنان مثل هذا الجبل، لا تدري الدولة ماذا تفعل بها، أو كيف تتخلّص منها. وعندما أخبرته ما أخبرني إياه أحد الوزراء الأستراليين، من أن محرقة النفايات التي كان من المقرر أن تنفذّها حكومة ولاية نيو ساوث ويلز في لبنان، قد أحرقوها قبل أن يرى دخانها اللبنانيون. ضحك مرة ثانية وقال: هذه المحرقة أحرقت أعصاب القضاة اللبنانيين، ولست أدري متى يصدر الحكم.
ما من مشروع حيوي في لبنان، إلاّ وأحرقوه قبل أن يتنفّس الصعداء، والشعب يعيد إلى الحكم من أحرق مشاريعه، وأتلف أعصابه، ونغّص عيشه، ولسان حاله يردد تلك الأغنية الفكاهية التي غنّاها الفنان المرحوم فيلمون وهبة:
جحا قال
هالموال
خربت..
عمرت..
حايد عن ضهري.. بسيطة.
أمام بيتي، في مريلاندز، برميلان متحركان على عجلات: واحد للزبالة المربحة، تلك التي يعاد تصنيعها، كالورق والبلاستيك والألمنيوم. وواحد للنفايات التي يجب التخلص منها بتاتاً. والبرميلان هدية من بلدية المنطقة التي أعيش فيها، وفي حال تعطّل أحدهما، تستبدله البلدية حالاً ومجاناً. وقد وجدت مثل هذه البراميل بأيدي عمّال بعض البلديّات في لبنان. فمتى توزعها كافة البلديات على جميع البيوت، وتحمّل، كل من لا يستعملها، غرامة مالية باهظة.
هكذا يعود لبنان وطن الجمال، وهكذا نريده أن يعود.. بدون زبالة!!
**
جنس + جنس = عولمة
نحن نعرف أن الإباحيّة الجنسية في مغتربنا أستراليا قد ضربت الرقم القياسي، وأصبحت مسيرات (المارديغرا) اللوطية والسحاقية مضرب مثل.. أبعد اللـه عنّا مثل هذه الأشياء النجسة، حتى لا يقال: تغرّبوا.. وتجرّبوا!!
ونحن نعرف أيضاً أن منطقة (الكينغز كروس) في سيدني، لا تضاهيها منطقة في العالـم، من ناحية التسهيلات الجنسية التي تقدّمها لروّاد ملاهيها الليلية، ولكننا لسنا نعرف كيف تحوّل العالـم كله إلى (كينغز كروس) كبير، بإمكانه اسعاد سكّان باقي الكواكب الفضائية، التي قد تغزونا، إن لـم تكن قد غزتنا بعد، وتنعمت بنكهة نساء هذا الكوكب المجنون.. فأينما اتجهتم تجدون أن حكومات الدول عجزت عن معالجة هذه (الإباحية) المتفشيّة بين الناس.
وكي لا يُقال ظلمت أستراليا، سأتكلّم عن فرنسا أيضاً، التي تحوّلت بها الحدائق العامة إلى جنائن جنسية. وصدقوني أن الشرطة تقف بالمرصاد لاعتقال المئات من الرجال والنساء الذين يظهرون مفاتنهم الجنسية كاملة، أو يمارسون الجنس (على عينك يا تاجر)!.. ورغم الغرامة العالية التي يدفعها المخالف، نجد أن عدد المخالفين قد ازداد، وأن الشرطة لـم تعد تقدر على اعتقالهم لكثرتهم.. وأن قصة صادوم وعامورة ستتكرّر لا محالة أمام حالة شاذة ومشينة كهذه.
وفي موسكو، اعترف مصدر رسمي أن نصف مليون روسيّة يمارسن البغاء في أوروبا وحدها، وهذا ما جعل الصادرات الروسيّة الجنسية تتغلّب على صادرات آسيا وأميركا اللاتينية.. وكشفت صحيفة (موسكوفسكي كمسمولتس) أن إحدى الشركات اليابانية تشترط على المرأة الروسية (ان تمارس الجنس مع أربعة رجال يومياً، مقابل 300 دولار للرجل الواحد، على أن تعمل ثـماني ساعات في اليوم، وستة أيّام في الأسبوع.. ويأخذ صاحب النادي الليلي الذي تعمل فيه 30 بالمئة من مدخولها لنفسه، ويحتفظ بما تبقى من المبالغ بغية مصادرتها إذا أخلت المومس بأي بند من بنود العقد.. أو اشتغلت، بعد الدوام، لحسابها الخاص).. ويكفي أن نعرف أن المافيات الروسية التي تقف وراء تصدير المومسات إلى العالـم تجني 7 بلايين دولار سنوياً من هذه التجارة (الجنسية).
وفي لبنان، وطني الأم، تقف الفتيات الروسيات والرومانيات والبلغاريات وغيرهن، على طريق جونية ـ بيروت بالعشرات.. ليلتقطن الزبون المناسب في الوقت المناسب.. وهذا ما دفع ببعض سكان تلك المناطق لعرض شققهم للبيع، والإنتقال إلى مناطق أكثر (احتراماً).. وقد أخبرني صديق عاد مجدداً من لبنان، أن أحد أقربائه تمارض أمامه، وراح يعنّ ويتوجّع، إلى أن عرض عليه خدماته، فطلب منه القريب مبلغ 500 دولار للطبابة، فأعطاه المبلغ والشفقة بادية على وجهه.. وفي نفس اليوم، دعاه أحد أصدقائه للعشاء في منطقة الكسليك، فوجد قريبه هذا يسكر ويعربد برفقة مومس رومانية تقول للقمر إنزل حتى إجلس مكانك. فاقترب منه وقال: كيف حالك يا قريبي.. أخبرني هل زرت الطبيب؟.. فأجابه: أنا الآن برفقة طبيبتي.. لا تخف.. صحّتي أصبحت ممتازة. وأدار ظهره وخرج من المطعم.
وفي مصر اكتشفت الشرطة شبكة دعارة تجبر نساءها على ارتداء الحجاب حتى لا تشك المباحث المصريّة بأمرهن. ولكن الشرطة كانت أذكى منهن، فألقت القبض عليهن، وكنّ بمعظمهن روسيّات.
أما في الكويت، فقد أبعدت السلطة اكثر من ألف فتاة أجنبية متورطات بقضايا دعارة.. وقالت صحيفة (الوطن) ان معظم المبعدات من بنغلادش وباكستان والهند وسريلانكا وإيران. والجدير بالذكر أن ثلثي سكان الكويت من الأجانب ويبلغ عددهم ...،..2،2 شخص.
الدعارة تجارة رائجة ورابحة مليون بالمئة، ولهذا السبب أصبح عدد المصابين بمرض (السيدا ـ الأيدز ) أكثر من عدد الأصحاء.. ومع ذلك لـم نتعظ بعد. ومن يدري فقد يصدق المثل القائل: تؤلّف ولا تؤلّفان.. فاعمل لآخرتك يا إنسان!!

**

اقلب الصفحة من فضلك

بلجيكا مضجرة للغاية

عنوسة.. أم عروسة
العنوسة.. آفة اجتماعية تفتك بمعظم فتياتنا في الشرق، ومحظوظة جداً من تضع الطرحة على رأسها وتسير إلى عش الزوجية وسط زغردات أمها وجدتها، والسبب في ذلك لا يعود إلى بشاعتهن، معاذ الله، ففتياتنا حسناوات لدرجة مذهلة، بل إلى أسباب دينية واجتماعية متخلفة. فالفتاة التي تغرم بشاب من خارج طائفتها ستعدم قبل أن تلبس طرحتها، أما التي تغرم بشاب، طبقته الإجتماعية لا توازي طبقتها، فلسوف ينقعها أهلها في البيت، إلى أن يأتي النصيب الملائم. ثم إن الحرية المعطاة للفتاة الشرقية أشبه ما تكون بالحرية المعطاة للزنوج قبل أن يحررهم إبراهيم لنكولن.
هناك مشكلة، كي لا أقول مأساة، وجب علينا حلّها، مخافة أن يصيب فتياتنا ما أصاب تلك الفتاة القروية المسكينة، التي سمعت أمها تقول لأبيها:
ـ إبنتنا مرّ وقتها، لقد أضحت عانساً..
فخافت كثيراً على مستقبلها، وأخذت تتحسّس بأصابعها بشرة وجهها، جاهدة قدر المستطاع إقناع نفسها أن تلك التجاعيد التي بدأت تظهر بوضوح، ما هي إلاّ طفرات جلديّة سرعان ما تختفي .
ـ يجب أن أتصرّف قبل فوات الأوان ..
تمتمت لنفسها وهي تدق أبواب صديقاتها المتزوجات بيدين نهمتين، علّهن يرشدنها إلى أقرب وأنجح السبل لإيجاد عريس مناسب لها .
قالت الأولى :
ـ هندسي حالك.. إصبغي شعرك.. فرشي أسنانك كل ليلة، والبسي كعباً عالياً !!
ونصحتها الثانية :
ـ إختاري الشاب الذي يعجبك، والحقيه من مكان لآخر، حتّى يقع في غرامك. مسألة سهلة جداً جداً.. أليس كذلك؟
أمّا الثالثة فقالت لها بكثير من الجديّة :
ـ إفعلي مثلما فعلت أنا.. قابلي حكيماً عربياً..
ـ ماذا؟.. حكيماً عربياً؟!
ـ أجل .
ـ هذا الذي يأتي إلى الضّيعة كل مدّة، ويروح يصرخ بصوت عالٍ: معي دواء للسكّري، لوجع البطن، لضغط الدم، للبواسير، للعقم؟
ـ ومعه أيضاً دواء للزواج السّريع .
ـ أين هو.. دلّيني عليه.. أسرعي؟
ـ طوّلي بالك.. غداً سيجيء إلى الضّيعة، وسيرمي بين يديك دزّينة عرسان دفعة واحدة بإذن اللـه .
وانتظرت طويلاً يوم مجيئه، وكانت تركض إلى شرفة منزلها كلّما أحسّت بوقع حوافر بغلة أحد الفلاّحين، ظنّاً منها أن (الحكيم العربي) قد وصل إلى القرية، راكباً بغلته المزينة بالأجراس والشراريب القماشية الملوّنة. وذات يوم سمعته يهمس بأذنها :
ـ كيف بإمكاني أن أساعدك يا بنيّتي؟
ـ أريد وصفة تقرّب العرسان ..
ـ والدراهم؟
ـ عشرة دولارات، لا أملك غيرها ..
ـ زين.. زين.. هاتي كفّك لأقرأ بختك.. يا بنيّتي، أنت مكتوب لك، ويجب فكّ الكتابة حالاً ..
ـ قل لي ماذا أفعل؟
ـ إذهبي إلى المقابر، وبيديك المباخر، واهتفي :
يا أهل المقابر
ما لي عندكم خطيّه
ودّولي عريس
بعدي صبيّه ..
ـ هكذا فقط؟
ـ أجل.. ولكن قبل أن تذهبي أعطيني الدّراهم .
والظاهر أن حظّ (الحكيم العربي) يفلق الصخر، لأنها ما أن عملت بوصفته التافهة هذه، حتى رزقها اللـه عريساً من عمر أبيها.. أودعته المقابر بعد انقضاء شهر عسلهما مباشرة، ولسان حالها يردد :
يا مبصِّر شو هـالقصَّه؟
لازم فيِّي تتوصَّى
اللِّي شحدتو من مقابرنا
رجع علَيها.. صبِّرنا
بواحد تاني يسترنا
ويِقيم عنِّي هـالغصَّه
أتمنى من كل قلبي أن تحظى كل فتاة عربية بفارس أحلامها، وأن تعمل الحكومات والمؤسسات الإجتماعية لحل هذه المشكلة التي تفتك بشبابنا وبناتنا على حد سواء. فقد آن الأوان كي نمحو من الوجود كلمة (عنوسة)، وأن نعلّق على سيارة كل عروسين لوحة كتب عليها: مبروك يا عروسة. والله قادر على كل شيء.
**
بلجيكا.. مضجرة للغاية
زيارة بلجيكا مضجرة للغاية، فهي بلد أوروبي مساحته 30519 كلم2، وعدد سكانه 10 ملايين نسمة، ويتكلم شعبه الداتشية والفرنسية والالمانية، وعملته الفرنك البلجيكي، (اليورو الآن)، وعاصمته (بروكسيل) بالفرنسية، و (براسل) بالإنكليزية، وفي إحدى مدنه المسماة واترلو، تحطّمت عنجهية الامبراطور الفرنسي نابليون.
بلجيكا فقيرة بالنسبة لجيرانها.. تقع بين فرنسا وألمانيا وهولندا. وصدّقوني أن الدول الأوروبيّة قد أنعمت عليها أكثر من اللازم، عندما اختارت عاصمتها عاصمة للإتحاد الأوروبي، ومركزاً لبرلمانه.. وأعتقد أن فرنسا كانت وراء هذا الاختيار، نظراً لقربها من بلجيكا أولاً، ولعلاقتها الوثيقة بها ثانياً، وحتى تضع يدها على البرلمان الاوروبي، وتتلاعب به كما تشاء ثالثاً.
بمختصر العبارة، لـم تختر فرنسا باريس، بل اختارت بروكسيل، حتى تبعد عنها شكوك السيطرة والتلاعب بالبرلمان العالقة بعقول الشعب الأوروبي، وخاصة الإنكليزي.
ولولا معرض الزهور الذي تحتفل به بروكسيل في منتصف شهر آب من كل عام.. لما تحمّلت مشقّات السفر، وقصدت الساحة الكبرى (GRAND PLACE)، المسيجة بأجمل القصور القديمة، والمرصوفة بحجارة منمنمة رائعة.. والتي يقام بها معرض الزهور، بشكل لا يتصوّره عقل.. فهم يصفّون الزهور قرب بعضها البعض، لتصبح سجّادة ملوّنة تسرق منك الشهقة والنظر، وتجعلك تسبّح الخالق العظيم على ألوان زهوره، وعبقرية مخلوقاته.
عام 1994، كان عرض سجّادة الزهور 24 متراً، وطولها 70 متراً، ومؤلفة من 775 ألف زهرة ملونة.
عام 1996، كان عرض السجّادة 24 متراً، وطولها 77 متراً، واستهلكت 800 ألف زهرة. وهكذا دواليك في كل عام، أزهار تصطف وعيون ترف.
وأعتقد أن سجّادة هذه السنة قد لا تختلف بطولها وعرضها عن سجّادات الأعوام السابقة، بل برسومها فقط.. والسبب يعود إلى أن البلدية تريد ممراً للمشاة، وطريقاً صغيراً لعربات الزهور.
إذا عطشت، وأنت تتسوّح، فسيدلك البلجيكيّون على عين ماء صغيرة قريبة من معرض الزهور.. هناك ستجد طفلاً صغيراً من البرونز يبول ماء.. وما عليك إلا أن تضع فمك تحت (حمامته) لتروي غليلك.. إنه أحد أهمّ معالـم (بروكسيل) السياحيّة.. يقصده السيّاح من كافة أقطار العالـم لارتشاف جرعات من (بوله) الأنقى من مياهنا الملوّثة في معظم دولنا العربية.
كما لا يسعني إلا أن أذكر البيوت الحكومية التي يعود تاريخها إلى القرن السابع عشر، فهي آية في الجمال والفن المعماري الرائع.. عليها تعاقب حكّام كثيرون، ولكن ولا أحد منهم تمكن من أن يجعل من بلجيكا بلداً غنياً كباقي الدول المحيطة بها.
لقد دخلت كنسية السيدة مريـم الغارقة في القدم، وصليّت للـه تعالى كي ينقّي مياهنا ومياهكم من الجراثـيم، حتى لا يمرض إنسان واحد.. حماكم اللـه وأبعد عنكم الضربات، ولوّن حياتكم بزهور بروكسيل الشهيرة.. وإلى اللقاء.
**
بلجيكا.. لم تعد مضجرة
الضجر الذي تملكني عندما زرت بلجيكا انقلب إلى سعادة وقراءة متواصلة، فلقد وصلتني عشرات الرسائل من القراء حول مقالي (بلجيكا.. مضجرة للغاية) الذي نشرته إيلاف منذ أسبوعين تقريباً.
لم أكن أصدق أن مقالاً كهذا سيفجّر قريحة قرائي، وسيلهب ثورتهم، فمنهم من أشاد بالمقال، ومنهم من طالبني بعدم ذكر اسم بلجيكا، لأن البلجيكيين قضوا على 15 مليون أفريقي دفعة واحدة، ليس بقنابلهم الذرية، بل بسيوفهم وبنادقهم البدائية، وإليكم بعض ما جاء برسالة أخينا حيدر: (رغم احترامي لكتاباتك في إيلاف، إلاّ أنني هذه المرة سأختلف معك حول ما كتبت عن بلجيكا، فلقد تألمت كثيراً وأنا أقرأ عن تاريخ بلجيكا الإستعماري في أفريقيا، وبإمكانك أن تطلع على المجازر التي ارتكبها البلجيكيون بحق الأفارقة من خلال زيارة هذا الموقع المرفق، وليكن بمعلومك أن البلجيكيين لم يعتذروا بعد على مجازرهم، رغم أن عدد ضحاياهم قد تخطى الخمسة عشر مليوناً).
ومن (ديد إند) وصلتني رسالة يصرخ بها صاحبها بأعلى صوته: (من يهمه أمر بلجيكا حتى تكتب عنها؟) وعندما أخبرته بعدد الرسائل التي وصلتني حول بلجيكا، وزودته ببعضها، أرسل لي رسالة ثانية يشرح بها رسالته الأولى ويقول: ( أنا آسف.. ولكنني أحببت أن أعلمك أنني من المعجبين بكتاباتك، وخاصة عندما تتطرق لمواضيع المرأة والحرية وما شابه.
نحن كعرب، يجب علينا أن نعيش حاضرنا، ونحضّر لمستقبلنا، أي أن علينا أن نتخطى الماضي، فالماضي مات، والمستقبل هو المستقبل.
لقد عشت أياماً حلوة في أوروبا، أنا الآن في الولايات المتحدة الأميركية، زرت خلالها البارات، الملاهي الليلية، ورافقت العديد من الفتيات. كما أنني زرت بلجيكا، التي أكرهها كبلاد، لأن كل ما فيها ميت، وشعبها يكره العرب، هذا كان في التسعينات (1998).
المهم أن نتكلم عن مشاكلنا، وكيفية حلها، إذ أننا، كعرب، ما زلنا عاجزين عن مماشاة العالم، وقد لا أستبعد محونا عن وجه الأرض. لذلك أرجوك، ككاتب ذكي، ذي أسلوب رائع، أن تضم صوتك إلى أصوات الدكتور شاكر النابلسي، والدكتور كمال نجار، والسيد ف. نمري وغيرهم.. فهؤلاء هم كتّابي المفضلون).
وإذا كان (حيدر) و(ديد إند) قد ثارا علي كوني ذكرت اسم بلجيكا، فلقد ثار الأخ عماد مهدي ثورة مضادة، إذ اعتبرني قد قللت من شأن بلجيكا، وإليكم ما كتب: (لقد قرأت بالصدفة على موقع إيلاف ما كتبته عن بلجيكا، وأرى فيه الكثير من الغرابة والتناقض، فقد بدأت مقالتك وقد حكمت على المملكة البلجيكية بأنها.. مضجرة!! ثم عطفت وأنت تذكر زيارتك للغراند بلاس، وسجادة الزهور الشهيرة بروعتها، والمباني الرائعة في بروكسيل (على حد قول المرحومة داليدا)، وحكمت عليها بالضجر، ولم ترَ منها شيئاً حتى الآن. فهل سمعت بفينيسيا الشمال أو مدينة بروج وأبنيتها التاريخية الشهيرة، ومنها (بيل فورت)، أو هل رأيت مدينة (أنتويرب)، ولا أدري لماذا يأخذ العرب الإسم الفرنسي رغم أن سكانها ناطقين الفلمنكية وهي لهجة هولندية، وهل رأيت مدينة (أوستندة) أو ما يسمى لديهم مدينة (كنوكة هايست) أو مونت كارلو بلجيكا.
ثم لماذا أنت متضايق لهذا الحد من اختيار بروكسل عاصمة للإتحاد الأروبي؟! ألا تعرف أن أحد الأسباب الرئيسية لاختيارها هو أن لغاتها الرسمية ثلاث، فهل وجدت بلداً أوروبياً آخر فيه ثلاث لغات رسمية يقدر أن ينافس بلجيكا ما عدا سويسرا؟!
وفي النهاية، أرجو أن تصحح وجهة نظرك حول بلجيكا، فهي تستحق الكثير رغم صغرها، ولا أدري ما سبب تأثر العرب الدائم بالدول الكبرى، واستهانتهم بالصغرى، فهل يرجع هذا إلى تأثرهم بتقاليدهم الشعبية زمن القبضايات، أم حبهم الكبير للقوة والسلطة؟).
الشاعر شوقي مسلماني رمى علي سؤالاً سريعاً في رسالته الأسرع: كيف تكون بلجيكا مضجرة وهي تحتفل كل عام بالزهور؟
الدكتور صفوت رياض قال: ان ما كتبته عن بلجيكا يذكرني بمهرجان الزهور الذي يقام كل عام في العاصمة الأسترالية كانبرا. والظاهر أن الدكتور رياض أخصائي بالمجاري البولية، وإلا لما سألني بدعابة إذا كان البول النازل من حمامة الطفل ذا طعم أو رائحة.
أما الدكتور عبدالله عقروق، فلقد فجّر مقالي بعض ذكرياته الحميمة، ولا أجد ضرراً من إطلاع القراء عليها: ( ذكرتني يا أخي شربل أيام بدأت دراستي الجامعية في الدانمرك عام 1954، كنت طالباً آنذاك، في كلية فريدنسبرج، إذ ذهبت بصحبة بعض الزملاء بطريقة (الهيتشايكينغ) الطريقة المفضلة عند الطلاب للتنقل والسفر، إلى بلجيكا، وقضينا هناك أسبوعاً كاملاً بكلفة أربعة دولارات في اليوم، بين منامة وأكل وشرب، كنا أعضاء فيما كانوا يسمونها بيوت الشباب، وكانت المنامة مع استعمال الحمام والمطبخ لا تتجاوز الدولار الواحد. كنا نقضي سهراتنا في البارات الجميلة، وكان لكل واحد منا على الطاولة ما يقارب سبعة فتيات، فلقد عانت بلجيكا من خسائر بشرية هائلة أثناء الحرب العالمية الثانية، وخاصة من الذكور، مما جعل عندهم نقص في صفوف الرجال، فلقد كانت بلجيكا (طاسة التصادم) في الحرب، ومنيت بخسائر ذكورية لا تعد ولا تحصى.
مقالك حرّك بعض الذكريات الحلوة، مما جعلني أفكر بالذهاب ثانية لأستقي من حمامة الولد..).
وقبل أن أختم مقالي أود الإعتذار من الذين لم أتمكن من نشر رسائلهم، ومن الذين نشرت رسائلهم أيضاً، فالغاية تبرر الواسطة، وغايتي من كل هذا أن أثبت للقارىء أن أدب الرحلات ما زال ساري المفعول، ومرغوب كأغنيات نانسي عجرم.. رحم الله ابن بطوطة، فلقد علمنا السفر، ولكنه أوقعنا برسائل القراء وبالف سين وجيم.

**

اقلب الصفحة من فضلك

عانسة أكثر من آنسة

السير في لبنان.. فلتان
إذا أردت أن تحكم على السلطة في أي من البلدان، راقب شرطي السير: هل يقوم بواجباته؟ هل يرعب السائقين المخالفين؟ وهل لقبّعته هيبة الدولة أم لا؟
ونحن في لبنان لـم نراقب عناصر الجيش، ولـم نراقب رجال الأمن العام في المطار، بل راقبنا شرطي السير، لنحكم على مدى احترام المواطن للسلطة.
وأثناء مرورنا بمنطقة التل في طرابلس، سمعنا صفّارات قوية، تبعتها حركات وتنقلات غريبة قام بها بعض السائقين المخالفين، منهم من هرب، ومنهم من وقع في المصيدة، ومنهم من حاول أن يتكلّم مع الشرطي دون جدوى، فدفتر المخالفات بحاجة إلى مخالفين، وما أكثرهم في لبنان!! ولكن، وللأسف، ما أن يختفي الشرطي عن الأنظار حتى تعود الفوضى إلى سابق عهدها، وكأن شيئاً لم يكن.
سائق واحد لفت نظرنا، لـم يخف ولـم يهرب، بل ظلّ واقفاً مكانه، يراقب الشرطي وهو يتصيّد طرائده، فاقتربنا منه وسألناه:
ـ لماذا لـم تهرب كالآخرين؟!
ـ لأنني لا أخالف.. جميعهم يقفون في وسط الطريق.. أما أنا فأقف في المكان المخصص للوقوف.. الشطارة على القانون غير مستحبّة عندي.
ـ وما اسمك؟
ـ غسّان.. من باب الرمل.
ـ هل لك أن تخبرنا عن أجمل حادثة حصلت معك أثناء القيادة..
ـ أنا أحترم القانون، وأحب التقيّد بالنظام، وخاصة قانون السير، وكنت في كل مرّة أنتقل بها من خط إلى خط أضع الإشارة ليعرف السائق الذي خلفي أنني سأنتقل إلى الجهة الأخرى، فكان يشتمني ويصوّب نحوي إصبعه بطريقة غير لائقة..
ـ لماذا؟!
ـ لأنني وضعت الإشارة، وما من أحد يضعها على الاطلاق وبإمكانكم معاينة ذلك. فوضى السير يجب أن يضعوا لها حداً.
ـ وماذا عن الشارة الحمراء؟
ـ لا أحد يتوقف عليها.. معظم السائقين لا يعرفون لماذا وضعت على الطرقات، هم يعتبرونها زينة شوارع ليس إلاّ.
ـ وهل تتوقف أنت عليها؟
ـ كل مرة أتوقف عليها أعرّض نفسي لخطر اصطدام أحدهم بي من الخلف، المسألة ليست آمنة، فإذا لم يصدمك السائق الآخر من الخلف سيشتمك لأنك تسد عليه الطريق وتمنعه من إكمال سيره. حالة لا تطاق. قيادة السيارة في لبنان تجعلك تنهار جسدياً وعقلياً، فالكل يطاحش، والكل يزمّر، والكل يخالف، والطريق التي رسموا عليها خطين، أي أنها تصلح لمرور سيارتين فقط، تتحول إلى عشرين خط وقت الزحام، فكيف ستصل إلى بيتك دون تعرضك لحادث ما. منذ مدة صدموا امرأة على أوتستراد بيروت، بقيت مشلوحة على قارعة الطريق لساعات طويلة والناس، كل الناس، بما فيهم الأطفال يتفرجون على هذا المنظر الموجع دون أن يتحرك مسؤول ما ويقوم بتغطية الجثة. الإنسان في لبنان لا ثمن له، إنه أرخص من الفجل.
ـ وما هو الحل بنظرك؟
ـ سحب رخصة القيادة من كل سائق لا يحترم القانون، وإجباره على دفع غرامة مالية موجعة، عندها يختفي شرطي السير من الشوارع ليحل القانون مكانه.
إلى السائق المثالي غسان تحيتنا، وإلى شرطي السير الذي أرعب السائقين المخالفين محبتنا واحترامنا، وإلى جميع الذين تمسّك بهم هذا الشرطي الشجاع نرسل أسفنا وتأنيبنا.. فلبنان لن يقوم من كبوته والفوضويون يعيثون فيه فساداً.
كونوا تحت القانون يا أبناء وطني ليحميكم القانون..
بئس وطن يتسلق المواطنون على قانونه ويتزحلقون. وبئس مواطن يتشاوف بتلاعبه على القانون، وبئس حاكم يسن القانون و(يمسّح) بأوراقه.
لا تخف، يا وطني لبنان، فشرطي السير سيمشّي سيرك بإذن اللـه.
**
هل سنأكل القطط والكلاب؟
أعتقد أن الشيخ عبد الحميد الأطرش، رئيس لجنة الفتوى بالأزهر، قد بدأ يحس بسخونة الانفلات السكاني في مصر والوطن العربي، وبضرورة تحضير طعامه قبل حصول الكارثة، فأصدر فتوى، وما أكثر الفتاوى في هذه الأيام، يحلل بها أكل القرود والكلاب والقطط والذباب والفراشات والجرذان، وكل ما اشتهته النفس، ما عدا الخنزير، فكم هو محظوظ هذا الحيوان، وأعتقد أن أبقار الهند ستحسده على منزلته المنجسة عند الله، فلقد حماه من الموت الزكام على أيدي اليهود والعربان، وتزيين الموائد بلحومه البنفسجية، بينما حلل ذبح كل ما يرى وما لا يرى من كائناته، والتهامه دون فحوص مختبرية، أو موافقة طبية. أما إذا مضغنا لقمة واحدة منكهة خنزرياً، فالويل، ثم الويل لنا، فقد نكون قد ارتكبنا معصية تغضبه تعالى، وترمينا في أتون جحيمه!.
باختصار شديد، لا يحق لنا أكل لحم الخنزير إلاّ إذا بدأنا بالتهام لحوم بعضنا البعض، أي أن لحم الخنزير يساوي بنجاسته لحم الإنسان، ولا يسمح الله بأكلهما إلاّ في الحالات الاضطرارية. ولا تتعجبوا إذا سمعتم إنساناً مؤمناً مثلي يتضرع لربه كي يمسخه خنزيراً، عله يتخلص من جهل أخيه الإنسان وطائفيته، وينعم بعطفه وحمايته كخنزير يدب آمناً على وجه هذه البسيطة.
تقول الحكاية أن أحدهم مارس الجنس مع قرد، فأهداه القرد على طبق من ذهب جرثومة الأيدز ـ السيدا، التي أهلكت الإنسان في مشرق الشمس ومغربها، ولم تهلكها جميع الأدوية التي ابتكرها العلماء من أجل مكافحتها.. فماذا سيصيبنا إذا بدأنا بالتهام القرود دون رقابة صحية؟.. من المؤكد أن القرود ستتنعم بحياة أزلية، وستفنينا نحن عن بكرة أبينا!.
وفي آسيا، تقول حكاية أخرى، أن مرض (السارس) انتقل للإنسان عن طريق الكلاب، فكيف سنمضغ لحم كلب ونحن نرتجف خوفاً من (سارسه)، وكيف سأقتنع، أنا العبد المسكينً، بأن الشيخ عبد الحميد الأطرش قد سمح لي بذبح كلبتي (ليلي) وتزيين مائدة العيد بها؟. والله والله سأقطع يدي قبل أن أفكر بذبحها، ولو أفتى بذلك فناني الخالد المفضل فريد الأطرش، وليس الشيخ عبد الحميد الأطرش.
ألا تكفينا إنفلونزا الطيور، التي امتنعت نصف البشرية عن تناولها بعد البلبلة الصحية التي أحدثتها في العالم، لدرجة منعتنا من السفر إلى آسيا الصفراء، والتنعم بنكهة دجاجات عمنا الكولونيل طابخ الـ (KFC)، الذي استبدلها بالأسماك كي يحمي مملكته التجارية من الانهيار.
وماذا سنقول أيضاً عن جنون البقر، فلقد جنّن أوروبا كلها، وكاد يجنن قارة أميركا الشمالية، بالإضافة إلى أمنا الحبيبة أستراليا؟. فإذا كانت الطيور والأبقار التي اعتاد الانسان على التلذذ بلحومها منذ تكونت البشرية قد أرعبتنا جميعاً، فماذا سيحدث إذا بدأنا بمضغ الذباب والفئران والصراصير والعقارب والعناكب والهوام؟ هذا ما يجب أن تقرره المختبرات الطبية قبل دعوة الناس إلى حشو إمعائهم بها.
ومن منا لم يقرأ ما سببته الفئران، أيام أجدادنا، من نقل مرض (الطاعون) من بيت إلى بيت، حتى حصد من أبناء آدم ما لم تحصده الحربان العالمية الأولى والثانية، رغم فتكهما وضراوتهما.
أما إذا بدأنا بالتهام الذباب والبرغش (الناموس)، فسيلتهمنا مرض الملاريا حتى آخر مخلوق فينا.. عندئذ لن تنفعنا الفتاوى، ولا من يفتي بها.
ثلاثة أرباع البشرية تأكل الخنزير، وتتلذذ بلحمه، حتى أن شركات تعليب البطاطا والمقبلات على أنواعها تنكّه مأكولاتها المعلبة بلحم الخنزير المجفف، فلماذا سمح الله لهؤلاء بأكل الخنزير وحرّمه على آخرين؟.. وإني لأتساءل: ماذا سيأكل الإنسان في الحالة الاضطرارية إذا خيّر بين لحم خنزير أو لحم فأر أو لحم صرصور أو كلب؟
بدلاً من أن يفتي سماحته بأكل الكلاب والقطط والجرذان، كان الأجدى به أن يفتي بتحديد النسل، وأن يمنع تعدد الزوجات، وأن يطالب بإعداد دراسات علمية متطورة من أجل تخصيب الصحارى العربية، وزرعها بالقمح والأرز والملوخية والباذنجان وغيرها، كي لا يضرب شعبنا الجوع والمرض والموت، ويحصد الأخضر واليابس، مع العلم أنني لست ضد التلذذ بكل ما خلق الله لنا من خيرات حيوانية وحشراتية.. تماماً كما يفعل الصينيون، شرط أن تشتهيه النفس.. فإذا كانت نفس نبينا العربي العظيم لم تشتهِ الضبّ الذي التهمه خالد بن الوليد، فما أصعب ما تشتهي أنفسنا.
**
سجناء لبنان.. وصالون الحلاقة
أعترف أنني زرت بعض السجناء اللبنانيين في السجون الأسترالية.. وأعترف أيضاً أنني حسدتهم على رفاهية العيش التي يتنعمون بها، إنهم والحق أقول، يعيشون أفضل منا نحن الأحرار بألف مرة. وإليكم بعض الأمثلة:
أولاً: لقد دفعت السنة الماضية أكثر من ألف دولار لدخول نادٍ رياضي، وممارسة بعض التمارين التي نصحني بها طبيبي الخاص. أما السجناء في استراليا فيمارسون رياضتهم البدنية مجانا على أحدث الآلات الرياضية المستوردة.
ثانياً: علي أن أعمل ليل نهار من أجل لقمة عيشي، بينما هم يتناولون ما لذ وطاب ويلبطون صحونهم كما يقول المثل اللبناني.
ثالثاً: في غرفة نومي لا يوجد تلفزيون حتى الآن، وغرف سجونهم مزودة بتلفزيونات كبيرة بغية الترفيه عنهم.
رابعاً: أنا أكد وأجتهد كي أقبض راتباً، والسجناء يقبضون رواتبهم دون أن يعملوا.
خامساً: لم أتمكن حتى الآن من دخول فريق رياضي فوق سن الخمسين، بينما فرق المسجونين الرياضية، وبأعمار مختلفة، أكثر من أن تحصى.
تذكرت هذا القليل من كثير النعم التي يترفه بها السجناء الأستراليون، وأنا أقرأ خبراً مؤلماً للغاية، بأن بعض الجمعيات الانسانية اللبنانية تضامنت وتكاتفت من أجل إيجاد صالون للحلاقة في سجن طرابلس.
ولأن الحدث مهم للغاية، فقد دعي الاعلام البلدي والعربي والعالمي لنقله الى أعين كل من يتهم السلطات اللبنانية، منذ الاستقلال، بأنها لا تهتم بالمواطنين، وخاصة السجناء منهم، فكم بالحري إذا كان معظم اللبنانيين سجناء، إما في بيوتهم، التي يخافون أن يغادروها كي لا تحصدهم قنبلة موقوتة، وإما في أحزابهم التي تجرهم من ساحة إلى ساحة بغية التظاهر الممل من أجل تمرير مشاريعها وأهدافها، وإما في السجون التي دخلوها بعد أن مارسوا حقهم في التعبير عن آرائهم.
ومشروع افتتاح صالون للحلاقة في سجن طرابلس، لم ينبت من العدم، فلقد أنهك التعب مسؤولي مركز (ريستارت)، حتى تمكنوا بمساعدة جمعية العزم والسعادة الاجتماعية من تحقيقه، فلهم منا التقدير والشكر.. لأنهم حققوا شيئاً في وطن لم يعرف سوى الدمار.. ولم ينتج سوى الدمار.. ولم يهدَ إليه سوى الدمار.
لقد قرأت الكثير عن أحوال السجناء اللبنانيين المزرية، كيف أنهم ينامون بالعشرات كالماعز في غرف صغيرة نتنة، ويمارسون اللواط أمام بعضهم البعض، ويبتلعون كافة أنواع المخدرات دون حسيب أو رقيب.. لدرجة أن الكثيرين منهم حاولوا الانتحار بغية التخلص من عذاباتهم.
ولكنني لم أدرك أبداً ان مشروع افتتاح صالون للحلاقة في سجن لبناني، يساوي مشروع افتتاح السد العالي في مصر، ويلزمه كل هذا التطبيل والتزمير.
يقول المثل اللبناني: هنيّال من له مرقد عنزة في لبنان.. أما أنا فأقول: هنيال من له غرفة في سجن أسترالي.
**
انتخابات.. وفياغرا
منذ أكثر من عشرين سنة عرضت في سيدني مسرحية بعنوان (انتخابات.. وفلافل)، وقبل العرض باسبوع، قررت أن أكتب عنها بغية الترويج لها، وتشجيع أحد المخرجين الأصدقاء، فاتصلت به مستفسراً عن فحوى المسرحية وأهدافها، فأجابني بهدوء وتأنٍ على جميع أسئلتي، لدرجة أصبحت معها أعرف عن المسرحية وابطالها أكثر مما يعرف هو شخصياً، ولكنني ما أن سألته: ما دخل الفلافل بالانتخابات؟ حتى ضحك ملء شدقيه وقال: عندما تشاهد المسرحية تعرف السبب.
وفي اليوم المحدد للعرض أسرعت إلى القاعة، وفضولي يسبقني، لمعرفة سبب تدخّل الفلافل بالإنتخابات، فإذا بي أجد المشاهدين يلتهمون سندويشات الفلافل بشهية يحسدون عليها، فسألتهم:
ـ من أين اشتريتم هذه السندويشات؟
فأجابوا بصوت واحد:
ـ من دكان موجود في آخر القاعة..
عندئذ أدركت أن صديقي كان أذكى مني ومن جمهوره، إذ ربح من بيع الفلافل أكثر مما ربح من بيع بطاقات المسرحية، ليسترد ولو بعضاً من تكاليف عرضها الباهظة.
تذكرت هذه القصة، وأنا أقرأ خبراً طريفاً عن أحد الأطباء المرشحين للإنتخابات في اليمن، فلقد قرر حضرة جنابه أن يوزّع على الرجال فقط حبوب الفياغرا من أجل التصويت له.
قلت: على الرجال فقط، لأنني متأكد، مئة بالمئة، من أنه لن يتاجسر ويعرض حبوبه على النساء، خوفاً من ردة فعلهن، وفعل ذكورهن التي قد تقضي على مستقبله السياسي، وعلى أمواله التي اشترى بها حبوب الفياغرا المنشطة للمقترعين.
تساءلت ملياً، لماذا لم يوزع طبيبنا هذا أدوية ارتفاع ضغط الدم والسكري والصداع بدلاً من الفياغرا، فيخفف بذلك من أوجاع مواطنيه. واعتقد انه قد سئم من وصف الأدوية على اختلاف أنواعها، حتى أصبحت بنظره موضة قديمة، أكل الدهر عليها وشرب، كما أنها لا تكثر نسل محبذيه كالفياغرا.
لقد أدرك هذا المرشح الذكي جداً جداً، أن معظم الرجال العرب يفكّرون بالجنس أولاً، وبتعدد الزوجات ثانياً، وبإكثار النسل ثالثاً، ولو كان بمقدوره أن يوزع الزوجات على الرجال لفعل، شرط أن ينجح، ولكن ليس باليد حيلة، فاكتفى بالحبوب السحرية، ومن مثل الطبيب يعرف أن أول وصفة طبية يسأل عنها الرجل العربي هي حبوب الفياغرا.
قديماً، وزع أحد المرشحين اللبنانيين على مفاتيحه الانتخابية مسدسات كاتمة للصوت، وعندما انتشر الخبر بين الناس، خافوا كثيراً، وصوتوا له، دون أدنى تفكير، ليفوز بنسبة كبيرة غير متوقعة.
كما أن أحدهم أرسل أزلامه إلى القرى الآمنة، ليعيثوا فيها فساداً إذا لم ينتخب أبناؤها وحيد الزمان، فخاف منه السكان، وبصموا له بالخمسة ليرفع اسم لبنان.
وهنا، في أستراليا، وزع أحد المرشحين الورود على الناس، عله يكسب ودهم، وبالتالي أصواتهم، فأخذوا الورود شاكرين، ليصوتوا لمرشح آخر يملك برنامجاُ انتخابياً رائداً، قد يفيد البلاد والعباد معاً.
أتمنى أن ينجح هذا المرشح الفياغري بنسبة عالية جداً، ليغيّر نمط الإنتخابات العربية للأبد، وليجعلها أكثر متعة، فبدلاً من أن يرهب المرشحون الناس بمسدساتهم، تشرئب في بطون ناخبيهم الفياغرا، وبدلاً من أن يرسلوا أزلامهم ليعيثوا في الأرض فساداً، يستقبلهم المقترعون بالزغاريد والأهازيج وقصائد المديح حباً بالفياغرا.
هذا إذا لم تتوقف المواكب الانتخابية التي تعرقل السير، وتصم الآذان بزمامير سياراتها، وهتاف أنصار هذا المرشح أو ذاك، لأن الناس، في حال وزعت الفياغرا عليهم، سيأوون إلى الفراش، ليتنعموا بما وهبهم مرشحهم للإنتخابات من لذة، قد لا يحلمون بها.
أما البرامج الإنتخابية، التي على أساسها يتم الفوز في البلاد الراقية، فلسنا بحاجة لها في الوقت الحاضر، لأننا بأمس الحاجة الى مئة مليون طفل عربي جديد، تطعمهم وكالات الإغاثة، وتبرعات الدول المانحة، ما هم، طالما أننا لم نصبح بعد الأكثر تعداداً في العالم.
بربكم أخبروني: هل مخترعو الفياغرا من أصول عربية أم لا؟.. أنا متأكد أنهم عرب وإلا لما فكروا بها.
كل انتخابات وأنتم رجال.. يا رجال.
**
عانسة.. أكثر من آنسة
رسائل كثيرة وصلتني، كتعليقات، على المقال الذي نشرته في (إيلاف) منذ أسبوعين تقريباً، بعنوان (عنوسة.. أم عروسة؟)، ولكن رسالة واحدة استوقفتني كثيراً، وجعلتني أرجع إليها عدة مرات، قبل أن أفكر في نشرها أو التعليق عليها، فلقد أحسست من السطر الأول أن (دانة شهاب) التي صنفوها (عانسة.. أكثر من كونها آنسة)، على حد تعبيرها، تريد أن تدخل إلى صلب الموضوع دون استئذان، وكأن الكيل قد طفح معها، ولا شيء يمنعها من إبداء رأيها بحرية تامة، طالما أن مجتمعها الإنطوائي الضعيف بدأ ينظر إليها بازدراء، بعد أن تخطت الثلاثين من عمرها دون أن تتزوج.
تقول دانة: (المشكلة كما أراها هي أن المجتمع، المكوّن من عائلات، يضع مسألة الزواج في أعلى سلّم الأولويات، وباللون الأحمر، وكأن الحياة تعتمد عليه أكثر من الهواء. نعم، الزواج ضروري لتحقيق الاستقرار، واستمرار الأسر والأسماء والسعادة، ولكن في حالة واحدة، إذا كان الزوجان متوافقين. فالزواج بحد ذاته صيغة قانونية فقط، أما الحياة الزوجية فهي تعايش بين شخصين يبذلان جهداً وعاطفة لإسعاد بعضهما).
وبعد أن ترمي علينا سؤالاً مهماً: (ماذا يحدث إذا لم نجد الشخص المناسب؟)، تجيب بصوت صارخ: (لا شيء). أجل: لا شيء، فالفتاة المثقفة تعرف كيف تختار رفيق حياتها، قرارها بيدها، بعد أن كان بيد عائلتها، وكم من فتاة شرقية تزوجت دون أن ترى العريس، والدها رآه، وهذا يكفي!
ولكن (دانة) تعرف أن المجتمع لن يرحمها، وأن الأسرة ستتأفف من وجودها في البيت، فلنقرأ ما تقول: (أما المجتمع والأسرة فسينظران للمرأة التي لم تتزوج وكأنها مرض يجب نبذه، أو خاطئة تركها الرجال، وفي أحسن الحالات، هم ثقيل تحمله الأسرة، وعليها التخلص منه، أو تحمّل نتيجة الإخفاق في التخلص منه).
وهذه النظرة اللئيمة من المجتمع والأسرة للفتاة العانس، هي التي تدفعها للزواج من أي كان، كي تهرب منها، وإن وقعت مستقبلاً في أبغض الحلال: (وكم من فتاة تتزوج من أجل تحقيق هدف الزواج، ليس إلاّ، فتعيش حياة تعيسة مليئة بالمشاكل، لأن الهدف لم يكن ذلك الزوج بعينه، بل الزواج من أجل الزواج).
المشكلة موجودة إذن، فما هي أسبابها، وكيف يمكننا التخلص منها؟ وها هي (دانة) تلخّصها كالآتي:
1ـ نسبة الفتيات المتعلمات الناضجات الواعيات اللاتي طورن عقليتهن وشخصيتهن، ولم يعدن كسيرات وضعيفات، أكثر بكثير من الرجال الذين تعلموا وطوروا عقليتهم، ولم تعد النساء بالنسبة لهم مجرد وعاء، وخادمة، وأحياناً ممسحة.
2ـ لا زال الكثير من الرجال يبحثون عن المتعة دون ارتباط، ويتزوجون لينجبوا، وعندها يختارون النموذج المتخلف من النساء، لأنهم لا يستطيعون مجاراة النموذج الآخر، وبالمقابل أصبحت النساء ترفض الزواج من أي كان، خاصة من رجال أهم مواصفاتهم أنهم ذكور.. مجرد ذكور.
3ـ سبب آخر يضحكني كثيراً، هو أن الكثير من الرجال يبحثون عن عروسة صغيرة السن، ويعتقدون أن الفتاة لا تصلح للزواج عندما تتجاوز الثامنة والعشرين. كيف تتزوج النساء أصحاب عقلية كهذه؟!.
أما عن الحل، فتقول دانة: (الموضوع موضوع تفاهم، وتوازن في الرغبات والاختيارات عند الطرفين)، وعلى المجتمع أن يعطي حرية إختيار الشريك للفتاة والشاب في آن واحد، لأن مجتمعنا، وللأسف، يكفل (حق الاختيار للرجل، لمجرد أنه ذكر، وما على الفتاة سوى القبول بهذه الفرصة الذهبية، والهدية النادرة، إذا ما تقدم لخطبتها ذكر ما.. عجبي!).
أخيراً، تقول دانة: (الحياة بالنسبة لي كعانس جميلة، أعيش بحرية وراحة تامة، ولدي القليل من الأعباء، فهل أتزوج وأخسر كل هذا، مخافة أن يُقال عني عانس؟.. لا طبعاً!).
لقد تخلى الغرب عن معظم عادات الشرق، بعد أن كان غارقاً بها، ومن تلك العادات حرمان الفتاة من حق التقدم لطلب يد الشاب، إذ من العيب أن تطلب الفتاة يد شاب، أو أن تنتقل للعيش معه تحت سقف واحد، مخافة أن يرذلها مجتمعها. أما الآن فنجد الفتاة الغربية تسرح وتمرح في هذا المجال، فما أن تعجب برجل حتى تنتقل للعيش معه، كزوجة بدون ورقة زواج، يطبخان ويأكلان معاً، يشتريان بيتاً مشتركاً، ينجبان البنين والبنات، وبعد سنوات من العيش الهنيء، يهمس في أذنها أو تهمس في أذنه، لا فرق: أتتزوجني؟ وكثيراً ما يكون الجواب: أجل يا أميرتي.

**

اقلب الصفحة من فضلك

غشاء البكارة يحتل الصدارة

غشاء البكارة = الموت
ثاني أكبر قضية تهم، أو بالأحرى، تهز العالم العربي بعد الدين هي غشاء البكارة عند البنت، والويل ثم الويل لمن تخسر بكارتها قبل الزواج، فلا عائلتها ستغفر لها جريمتها، ولا مجتمعها سيقبل بها عضواً محترماً وفعالاً فيه.
والبنت، كالشاب تماماً، تجهل، تحب، تحلم، وتثور غريزتها الجنسية إثر كل ملامسة وتغزّل وقبلة، ومع ذلك لا يحق لها ما يحق للشاب، فهو إذا خسر بكارته، أثناء ممارسته العادة السرية، أو مضاجعة إحدى النساء، صار رجلاً، وإذا أوقع امرأة بحبائله الغرامية أصبح زير نساء، وإذا فض بكارة أنثى أحبته ووثقت به، زغردت له نساء الحي، وأغدق عليه الرجال لقب بطل.. بينما جزاء من غرر بها الرجم والموت المؤكد.
تنمو الفتاة العربية وينمو معها هم غشاء بكارتها، فإذا لمست فخذيها صاحت أمها مؤنبة، وإذا ركضت أو قفزت أو وقعت أرضاً تفحّصوا ثيابها الداخلية بتأن بالغ كي لا يكون دم البكارة قد تفجّر وفجّر مستقبل فتاتهم البريئة الطاهرة، وإذا مارست العادة السرية، لتتخلّص من إفرازات الجسد، ولتسد احتياجاته الجنسية، اتصلت بدكتور إيلاف لتستوضحه الأمر، ولتسأله عن مكان غشاء البكارة: أهو في أول المهبل، أم في منتصفه، أم في آخره؟ خوفاً من أن تخدشه. جهل ما بعده جهل، يجب إنقاذ أجيالنا الصاعدة منه.
في أوطاننا العربية، وفي زمن الصعود إلى الفضاء، ما زالت المؤسسات النسائية تجهد من أجل تغيير القوانين البدائية الجاهلة، التي تسمح لأفراد عائلة الفتاة (المذنبة) بغسل عارها عن طريق الفتك بها دون رحمة، أو دون أن يحاسبهم القانون على بربريتهم تلك. وكم من الجرائم وقعت باسم الذود عن شرف العائلة ومحو عارها وكأن شيئاً لم يكن. ونحن لو فكّرنا قليلاً لوجدنا أن الغرب قد مرّ بتلك المراحل المعتمة التي نمر بها، ومن ثم تخلى عنها تدريجياًً، بعد أن أعطى الفتاة حرية مطلقة، فأصبح جسدها ملكها، متى تخطت السن القانونية، بعد أن كان ملك عائلتها، تفعل به ما تشاء، وتهبه لمن تشاء، دون خوف أو رهبة.
ومن جرائم الشرف التي هزّت العاصمة اللبنانية مؤخراً، قصّة ذلك الشقيق الذي همسوا بأذنه أن خطيب أخته قد فض بكارتها، فجن جنونه، وقصدها إلى مكان عملها في أحد المستشفيات، وما أن رآها حتى انهال عليها طعناً بسكين يحملها، فوقعت المسكينة مضرجة بدمائها، ولم يكتف بذلك بل ذبحها من الوريد إلى الوريد كي يشفي غليله، وكي لا يتمكن أحد من إنقاذ حياتها.
إنه جنون الشرف، وإن كان بلا شرف، فبمجرد إشاعة بسيطة، قد تكون كاذبة، من أناس نمامين، تخسر الفتاة العربية حياتها، ولنفترض جدلاً أن خطيبها قد فض بكارتها، أما كان من المستحسن أن تجتمع به العائلة وتجبره على الزواج منهاً، بدلاً من ذبحها كالشاة، وتعريض الأخ الثائر لشتى أنواع الأحكام القضائية التي سيكون أولها الإعدام.
لقد عرض التلفزيون الأسترالي، منذ أسابيع، برنامجاً حياً اسمه (الأخ الأكبر)، صور داخل منزل يخضع سكانه لأعين الكاميرات والمشاهدين مدة 24 ساعة، حتى أثناء التبوّل والبراز، وكان الرجال والنساء يستحمون عراة أمام بعضهم البعض دون أن تثور غرائزهم، أو أن تتحرك شهواتهم الحيوانية، فتأفف المخرج من ذلك، وأمر أحدهم، لقاء هبات عديدة، تقبيل إحدى فتيات المنزل، حتى لا يقال: اجتمع 16 رجل وامرأة تحت سقف واحد مدة ثلاثة أشهر، وهم عراة في معظم الأحيان، دون أن يقع الغرام بين قلبين، أو أن تفقع قبلة واحدة، رغم وجود إحدى بائعات الهوى الجميلات بينهم، وهذا عار ومستهجن بنظر المخرج المتحرر.
من هنا نلمس مدى الوعي الجنسي عند الغربيين، وقدرتهم على السيطرة على شهواتهم وغرائزهم، فالأجساد البشرية العارية متشابهة بنظرهم، أي أنها لا تثيرهم على الإطلاق، ما لم يقع الغرام بين قلبين، وتتفاعل العواطف.
أنا، بطبعي، ما زلت محافظاً، أرفض إباحية الغرب المطلقة، ولكنني بنفس الوقت أرفض قسوة الشرق الظالمة على الفتاة، وكأنها لا شيء، جسم بدون إحساس، أو قلب لا ينبض بالحب. فقليل من الحرية قد ينعش قلبها، ويجعلها تميّز بين الخير والشر، خاصة إذا زودناها بدراسة جنسية قبل البلوغ، تماماً كما تفعل المدارس الأسترالية مع طلاب وطالبات الصفوف السادسة الابتدائية. إنها تلقحهم بثقافة جنسية واعية ومتفهمة قبل دخولهم سن المراهقة، حيث الجنون والطيش وارتكاب الحماقات المختلفة.
سيظل شرقنا العربي التعيس خاضعاً لهاجسين: الدين وغشاء البكارة.. وسيظل يمارس الحب والرذيلة والعادة السرية بتكتم شديد، حتى لا يفتضح أمره، وتعتقله شرطة الأخلاق، أو تذبحه سكين أخٍ ثائر، كما حدث ويحدث دائماً.
**
غشاء البكارة.. مرة ثانية
عندما نشرت مقالي (غشاء البكارة = الموت) في مجلة (إيلاف)، لم أكن أدري أن موضوعاً كهذا سيغرق بريدي الإلكتروني بحفنة من الشتائم القذرة، وبالعديد من الرسائل المشجعة الجميلة والجريئة في آن واحد. فلقد أخبرني أحد القراء أن اللواط والسحاق متفشيان في إحدى الدول العربية المحافظة جداً جداً، بطريقة يندى لها الجبين، وبأسلوب يخجل منه الدين، وجميع المتحججين به، والمتمسكين بجهلهم حد الموت. كما أخبرتني قارئة أنها درست في الجامعة مواضيع حقيقية مرعبة عن مآسي الفتيات العربيات، وتعرضهن للموت بسبب (غشاء) تافه، قد لا نراه بالعين المجردة، رماه الغربيون في سلة مهملاتهم، وأكملوا طريقهم إلى.. الفضاء.
ولكن الرسالة الأجمل، هي التي وصلتني من الدكتور حسان جمالي المغترب في كندا، مرفقة بمقال كتبه عن الجنس والأخلاق والنفاق، يصور به معاناته كرجل عربي مثقل (بأحمال ثقافية واجتماعية ودينية، كلها يقين وثوابت لا يدخلها الشك من أمامها أو من خلفها)، ومحاولته الاحتكاك بالغربيين والعيش تحت سمائهم، منذ كان عمره تسعة عشر سنة. فلقد كان يعتقد (أن المرأة العربية خلقت من طينة مختلفة كلياً عن طينة المرأة الغربية، هي عذراء محصّنة قبل الزواج، وأم حنون، وزوجة مطيعة مخلصة بعده)، ولكنه اكتشف، بعد ثلاثين سنة وأكثر، من العيش بين الأوروبيين والكنديين (بأن هؤلاء الناس، على الرغم من اختلاف التربية والعادات والدين والسلوك الجنسي، يشبهوننا كثيراً، ويشاركوننا في جميع القيم الأخلاقية، التي تميّز الإنسان عن بقية المخلوقات).
فكيف بإمكان شاب، كالدكتور جمالي، نشأ في الشرق وتبرمج على رؤية لونين فقط في الحياة: الأسود والأبيض، وأن الخير كل الخير في العالم العربي، والشر كل الشر في العالم الغربي!.. أجل، كيف بإمكانه التعامل مع امرأة متحررة (تعمل وتخوض تجارب عاطفية وجنسية قبل الزواج، دون أن يتهمها أحد بشرفها وعرضها)؟ وهو الذي أخرسته المفاجأة حين التقى (بأمهات عازبات لو كنّ في بلادنا لذبحن كالنعاج). هنا تظهر قدرة الإنسان المثقف على التعايش والتناغم بمجتمعه الجديد، وقدرة الإنسان المتزمت الجاهل على تدمير أي مجتمع تطأه قدمه.
ولكي يصور معاناته أكثر، ويؤكد صدق طرحه ومعالجته للأمور، يعترف بأنه عانى الكثير قبل التأقلم، وقبل الإدراك أن ممارسة الجنس من بديهيات الأمور، لا بل من متطلبات الجسم البشري، وأن الله غرس فينا الشهوة، كما غرس الجوع والشبع، فإما أن نكون أحراراً بإشباعها، دون خوف، كالغربيين، وإما أن نكون خائفين ومقيدين كالشرقيين، نمارس اللواط والسحاق بطريقة سرية، كي نتخلص من إفرازات الجسد؟! كما أدرك الدكتور جمالي أن هناك قيماً إنسانية في الغرب، أهم بكثير من فض غشاء البكارة، ومن ارتكاب الجرائم باسم الشرف: (نعم، عانيت وعانى غيري كثيراً قبل أن أدرك أن الصدق والأمانة وحسن المعاملة واحترام الإنسان وكرامته ومساعدة الضعيف والعاجز ورعاية الطفل، هي وحدها التي تشكل السلوك الإنساني الأخلاقي المشترك).
هذه هي القيم التي يجب أن يتمسك بها الانسان العربي، كائناً من كان، كي يتنعم بإنسانية رائدة، تمنعه من قتل ابنته، أو ذبح أخته لمجرد الشك أو اليقين بأنهما خسرتا غشاء بكارتهما، ومعظم فتياتنا لا يعرفن، بسبب انعدام ثقافتهن الجنسية، وجهلهن المضحك بالأمور الجنسية، أين يوجد غشاء البكارة، وهن بحاجة لطبيب، كدكتور إيلاف، كي يدلهن عليه من خلال رسم ينشره على شاشة المجلة، أو من خلال الإجابة على أسئلتهن المتشابهة العطشى للمعرفة.. وصدقوني أن لا اللغة، ولا الدين، ولا القضايا المصيرية، ولا المصير المشترك، ولا التعايش الأخوي، بإمكانه أن يوحد أمتنا العربية، كما وحدها غشاء بكارة الفتاة.
فلقد تعرّف الدكتور جمالي في الغرب (الكافر) على حد تعبير البعض، على قيم إنسانية ثابتة (لا تتغيّر، ولا تتبدل بحكم الزمان والمكان، وجميع الديانات السماوية والوضعية والقوانين والأعراف، تؤكد وتحض عليها، وهي التي تسمح للانسان أن يعيش بأمان وسلام في أي مكان على سطح الأرض، وأن يختلط بشعوب أخرى، وأن يجعل من امرأة أجنبية زوجة صالحة له وأما لأولاده)، ومن الممكن، لا بل من المؤكد، أن تكون تلك المرأة الغربية قد خسرت غشاء بكارتها قبل الزواج، ومع ذلك بإمكانها أن تكون زوجة صالحة وأماً فاضلة. أجل، ستكون هكذا، لأنني تعرفت على الكثيرات منهن في أستراليا، فكن الشرف لعائلاتهن، وكن الإخلاص لرجالهن، وكن الأخلاق لمحيطهن، وكن الإيمان لخالقهن، وكن الصداقة الطاهرة لمعارفهن.. ومع ذلك مارسن الجنس قبل الزواج، وتمسكن بطهرهن الناصع المفرح بعده، وأنى لرجل غير الزوج أن يرشقهن بوردة.
ولكي أطفىء غليل قارىء ثائر، راح يشتمني برسالته، ويصفني بالديوث وبالقواد، ويسألني إذا كنت سأسمح لابنتي أو أختي بممارسة الجنس قبل الزواج؟.. سأرد على سؤاله بأسئلة مماثلة:
1ـ هل ستسمح، أيها القارىء المثالي الشريف، أن تمارس ابنتك السحاق مع فتاة أخرى؟.. وإذا اكتشفت أو أخبرتك ابنتك بذلك، وهي لن تخبرك بالطبع، كيف ستتصرف معها؟ هل ستقتلها أم سترشدها وتوجهها؟
2ـ ماذا ستفعل إذا ضبطت ابنتك وهي تمارس العادة السرية؟ هل ستركض إلى أقرب سكين في المطبخ وتذبحها؟ أم ستغض الطرف عنها لأنها تتخلص من إفرازات جسدها، كما فعلت أنت من قبل، ولأنها، وهذا هو الأهم بنظرك، ما زالت تحتفظ بغشاء بكارتها؟ وأنا متأكد من أنك لا تعرف، بسبب جهلك أيضاً، أين هو هذا الغشاء المقدس بنظرك، هل هو في فتحة الأذن؟ أم في فتحة الأنف؟ أم بين الفخذين؟!
3ـ هل ستتقبل فكرة زواج ابنتك، عن طريق التهديد والترغيب، من رجل لا تحبه، وبعد يوم واحد من فض بكارتها، يفترق الاثنان وكأن شيئاً لم يكن؟.. إذا كنت ستتقبلها، فأيهما أفضل: أن يفض بكارتها رجل أحبته وأحبها، ومن يدري، فقد يؤسسا معاً عائلة سعيدة ترضي الله ويرضى عنها كما يحدث في الغرب؟ أم رميها بأحضان رجل لا تحبه ولا يحبها، فيقطف منها زهرتها وهي تمتعض تحته وتتألم، بحجة أنه زوجها.. ولو بالإكراه؟!.. وماذا ستفعل عندما تطلق ابنتك؟ هل ستسجنها في المنزل لأنها فقدت عذريتها؟ أم ستضع عليها مراقبة شديدة؟ أم ستزوجها لأول رجل يتقدم لها، فتعيد تفاصيل المأساة، أو، وهذا الأرجح، تبدأ فصول الخيانة الزوجية؟
يجب أن نثقّف الفتاة جنسياً، وأن نعطيها شيئاً من حريتها، لتختار الإنسان الذي يسعدها وتسعده، اجتماعياً وجنسياً، وأن نتخلى عن دور الوصي عليها، فلا أحد على الإطلاق يعرف ما في سرائر الآخرين، خاصة إذا كانت المسألة تتعلّق بأمورهم الجنسية الحميمة.
إلى أن تجيبني على أسئلتي هذه، أعود لرسالة الأخ الدكتور حسان جمالي، لأشكره عليها، ولأطالبه بنشر مقاله كاملاً في (إيلاف)، فلغته جيدة، وأسلوبه سلس، وحجته دامغة، ومعاناته مؤثرة، شرط أن يتقبّل شتائم (الشرفاء) برحابة صدر، وأن يدجج بريده الإلكتروني ببرنامج قتالي فعّال لمكافحة جراثيمهم الخبيثة.. فنعم الأخلاق، ونعم الشرف.
**
الصيت للمصريين.. والنشل للإيطاليين
منذ صغري وأنا أسمع الناس يحذرون كل مسافر إلى القاهرة من (نشّالي مصر)، حتى أن بعض الأقرباء عندما عرفوا بسفري إلى مصر منذ سنوات، همسوا في أذني، وهم يلتفتون يمنة ويسرة كالخائفين: انتبه يا شربل من نشّالي مصر، إنهم كالبرق، ما أن تراهم حتى يختفوا. ولكنني، وبعد زيارتي لإيطاليا، ولمدينة فلورنسا بالذات، حيث حاولوا نشلي، تغيّرت مفاهيمي ورحت أردد: الصيت للمصريين والنشل للإيطاليين.
وفلورنسا هذه مشهورة جداً بملابسها الجلدية، لذلك نجد أن السيّاح يأتون إليها من أجل شراء ما يلزمهم من الألبسة الجلدية المتينة، بعد أن يكونوا قد متّعوا أعينهم برؤية تمثال داود (دايفيد) الذي نحته وهو في السادسة والعشرين من عمره ابن فلورنسا الفنان الخالد مايكل أنجلو.. واستغرق نحته مدة 3 سنوات، من عام 1501 ولغاية عام 1504.
منذ عدة سنوات تناقلت وكالات الانباء العالمية خبر الإعتداء على التمثال، إذ دخل رجل مهووس إلى متحف فلورنسا وبيده مطرقة، وراح يشبع التمثال ضرباً، فترك خدوشاً كثيرة في جسم التمثال (الحي)، تمكنّوا، والحمد لله، من إصلاحها.. وقديماً قالوا أن (خالقه) مايكل أنجلو أمره أن يتكلّم، وعندما لـم يتكلّم ضربه بالإزميل وصاح: تكلّم يا داود.
من أبناء فلورنسا المشهورين أيضاً الشاعر دانتي (1265ـ 1321)، كاتب الكوميديا الإلهية التي تحتوي على مشهد للجحيم يعتبر من أشد المشاهد تأثيراً. و(غاليلو) الذي اعتذرت من روحه الطاهرة الكنيسة الكاثوليكية لأنها لـم تفهمه في ذلك الوقت، ونكّلت به كما تنكّل الحكومات والجماعات المتطرفّة في دولنا العربية برموزنا الفكرية الرائدة، لأنها لـم تستوعب أفكارها النيّرة المتعارضة مع تزمّتها.
ومسكين من يعتقد أن فلورنسا هي مدينة الكنائس الأثرية فقط، بل أن (السيناغوغا) المعبد اليهودي الذي بناه المهندسون ماريو فالسيني، ماركو تريفر، وفينسو ميتشالي يعتبر من أشهر معالـم فلورنسا الأثرية.. قببه ملبّسة بالنحاس، وشبابيكه مزيّنة برسوم زجاجية رائعة.. وقد استغرق بناؤه سنتين وأكثر. من 1872 ولغاية 1874. وما عليكم سوى زيارة فلورنسا لتعرفوا مدى عظمة هذا المعبد.
أهالي فلورنسا طيّبون للغاية، ولكنهم يعانون، كما نعاني نحن في أستراليا، من التفكّك العائلي.. فلقد نشرت مجلة (بوردا) أن إيطالياً من أصل خمسة يطلّق زوجته لأنها لا تشبه أمه، لا من ناحية المنظر والمظهر، ولا من ناحية الطبخ والكلام. وأن 23% من النساء الإيطاليات يبتعدن عن أزواجهن لأنهم مملّون للغاية. بينما اشتكت 10% من (خيانتهم لهن)، و13% من (غيرتهم المفرطة). كما رفضت 11% منهن التحوّل الى (ربّات بيوت) وفضّلن الاستمرار في العمل والإبتعاد عن أزواجهن (ضغفاء العقول)، والمضحك حقاً أن 4% من هؤلاء النساء لجأن إلى وكالات التعارف على رجال جدد.. ومن يدري فقد يتعرّفن من خلال الوكالة على أزواجهن السابقين.. وهذا ما حصل للعديدات منهن.
جرائـم السرقة في فلورنسا أقل بكثير من روما.. وإن كانت موجودة بشكل كثيف، تصوّروا أن أحدهم وضع يده في كيس كبير للملبوسات كنت أحمله، وراح يفتّش فيه عن شيء يسرقه، ولو لم أشعر بثقل الكيس، لما أدركت أن نشالاً إيطالياً يغزوه، فصحت بالإنكليزية: ماذا تفعل؟ فتابع سيره وهو يضحك وكأن شيئاً لم يكن.
هذه الحادثة ذكرتني بما أخبرتني إياه إحدى السيدات اللبنانيات يوم زارت الفاتيكان للمشاركة بتطويب القديس نعمة الله الحرديني، وكيف سطا أحد النشالين على حقيبتها بينما كانت تضعها قربها وهي تصلي داخل الكنيسة، ولو لم يسعفها الوفد المرافق مالياً لبقيت بدون مأكل أو مشرب، فلقد سطا (المصلي التقي) على كل ما حملت من مال دفعة واحدة، فتصوروا عظمة إيمان هذا السارق.
كما أخبرني أحد الأقرباء، أنه أثناء تجوّله في شوارع روما، اقترب منه رجل محترم لا يشك به أحد، وأخبره أنه تعرّض لمحاولة نشل، وأنه جائع وبحاجة لبعض المال كي يشتري (بيتزا) يأكلها، فأشفقت زوجة قريبي على الرجل، وطلبت من زوجها مساعدته، كي يرد الله الضربات والمصائب عن أطفالها، حسب اعتقادها، وما أن سحب قريبي محفظته من جيبه حتى نتشها الرجل من يده وراح يعدو بسرعة الغزال، وزوجة قريبي تصيح: بوليس.. بوليسيا.. وما من مجيب.
أما القصة الأجمل فلقد حصلت أمامي في فلورنسا، عندما طلبت سيدة عجوز أسترالية من إحدى الفتيات المارات في الساحة أن تلتقط لها صورة أمام البوابة الذهبية، وما أن أعطتها آلة التصوير حتى اختفت الفتاة بين الجموع، وكأن الأرض انشقت وابتلعتها.. وعبثاً حاولنا التفتيش عنها بين الناس، بغية إرجاع الكاميرا إلى العجوز المسكينة التي أطلقت لدموعها العنان حزناً على (الفيلم) التاريخي الذي صورته في إيطاليا، وليس على الكاميرا كما قد يتبادر للذهن.
عندئذ بدأت أتساءل: لماذا يتهمون المصريين بالنشل؟ ولماذا يدّعون أن نشالي مصر أشطر من غيرهم في هذه المصلحة، إذ أنني أمضيت أسبوعاً كاملاً في مصر ولم ينشلني أحد، بل نشلوا قلبي، لكثرة ما أحببتهم وأحبّوني. أما في إيطاليا فقد حاولوا نشلي في اليوم الأول لوصولي، فتصوروا.
حوادث السير لا حصر لها، وخاصة دهس الناس على الممرات المخصصة للمشاة. فالسائق الإيطالي لا يعير اهتماماً لا للضوء ولا لممر المشاة.. ولذلك نجد أن سيارات الاسعاف تعمل على مدار الساعة، يسمع الناس زماميرها أكثر مما يسمعون أجراس كنائسهم الكثيرة عندما تقرع.
إذا زرت إيطاليا، في يوم من الأيّام، إيّاك أن تحمل مالك كله في محفظتك، أو أن تتوقّف، ولو للحظة واحدة، وأنت تقطع الشارع، لأنك بذلك تكون قد اشتريت آخرتك، ونفّذت المثل القائل: الحق على الطليان.. حماك اللـه من النشالين ومن السائقين المسرعين، وإلى اللقاء.
**
غشاء البكارة.. يحتل الصدارة
لم أفكر، في يوم من الأيام، أن أطرق موضوعاً واحداً أكثر من مرة، فأنا بطبعي أحب التنويع في الكتابة، تارة أحلق في الفضاء، وتارة أغوص في السياسة، وطوراً أدافع عن المرأة أو أطرّز لها قصيدة حب، مخافة أن يضجر القارىء من مقالاتي. ولكنني أجد نفسي مجبراً على فض غشاء بكارة الكلمات مرة ثالثة وأخيرة، كرمى لأعين فتياتنا العربيات الموزعات تحت كل سماء.
منذ عدة أسابيع نشرت في (إيلاف) مقالاً بعنوان (غشاء البكارة = الموت)، ألحقته بمقال ثانٍ بعنوان (غشاء البكارة.. مرة ثانية)، ولكن القراء، وخاصة الجنس اللطيف منهم، أبوا إلا أن أعود إليه.. منهم من أخبرني أنه قرأني في صحف ومجلات عربية أخرى، مع العلم أنني لا أكتب إلا في (إيلاف)، وكل ما ينشر لي في غيرها سيكون حتماً منقولاً عنها، ما عدا القصائد المكتوبة باللهجة اللبنانية.
ورغم احتجاب مقالي المذكور، وانطوائه في الصفحات الداخلية للمجلة، ما زالت الرسائل تردني بكثرة حوله: الرجال يشتمونني، ليس كلهم بالطبع، والنساء يمدحنني. وها هي (لمى) الصحفية في أميركا، تعتبر أنني قمت بعمل جيّد، وأنها كتبت عن (جراثيم الشرف)، وتعتقد أن العقل العربي بحاجة إلى تحديث، لأنه ما زال يعيش في القرون الوسطى.
أما (زهراء)، فقد أخبرتني أن الله منّ على أبويها بخمس بنات، فاعتبر البعض أن مصيبة كبرى قد حلّت بعائلتها، وأن هذا العدد من البنات كثير جداً على عائلة واحدة، وأقسمت أن لا فرق بين البنت والصبي، كونها تدير أعمال أبيها بنجاح ملحوظ، وما على العالم العربي إلا التفكير الإيجابي تجاه البنت، وعدم التمييز بين الذكر والأنثى، لأن الله لا يميّز بين خلقه ذكوراً كانوا أم إناثاً.
هدى.. تمنت لو بإمكانها أن ترسل لي باقة من الورود تقديراً لمقال سلّط الأضواء على حالة المرأة المزرية في العالم العربي، ومن يدري، فقد يدفع الرجل الى احترامها أكثر.
يسر.. حيتني من العراق الجريح، وهنأتني على المقال الرائع، وسألتني سؤالاً أحرجني، كوني لا أعرف الجواب عليه، وما علي سوى الاستنجاد بدكتور (إيلاف)، فلقد كتبت: (لدي سؤال.. كل أعضاء البشر لها فائدة، القلب، الشرايين، الكلى.. إلخ، فما فائدة غشاء البكارة؟ طالما أن عدم وجوده لا يتسبب بأي ضرر للمرأة، فما سبب وجوده إذن؟ ولماذا؟). الحقني يا دكتور خالد، ولك مني نصف وردات هدى.
مسك الختام سيكون لأختي في الله (مسك)، كما أحبت أن تعرف بنفسها، فلقد أخبرتني في رسالتها أن عمرها 24 سنة (مغتربة، ومقيمة في الأردن، زرت دولاً عربية وإسلامية وأوروبية كثيرة بحكم عمل والدي، وأدرس علم النفس المرحلة الأخيرة. أعجبتني جداً جداً كل طروحاتك، والله يشهد على ما أقول، فكم نحن بحاجة لمثل هذه الكلمات تنير لنا دربنا، كي ننعم بالسلام الحقيقي مع أنفسنا، قبل أن ننعم به مع العالم أجمع).
ولكي تطمئنني من أن ما كتبته في رسالتها صادر عن إيمان عميق بالله تعالى، وعن تمسكها بدينها الحنيف، قالت: (أنا مسلمة، والحمد لله، لكنني لست محجبة، مع العلم أنني أؤدي الفروض الخمسة من صلاة وزكاة والتزام حدود الله. لا أحب النميمة، ولا الغيبة، وأحترم البشر، كل حسب إنسانيته، لا فرق عندي بين مسلم ومسيحي، فأعز صديقة لي هي من الطائفة الأرثذوكسية. وصدقني أنني رأيت العجب ببلادنا الإسلامية، رأيت جامعاً يبعد 100 متر فقط عن بار للمشروبات الروحية، ورأيت محجبات لا يمتن بصلة للحجاب، يرتدين البناطيل والشورتات، ويغتبن الناس، كما أنهن لا يصلين على الإطلاق، هن ملتزمات أمام الناس فقط. نحن، وللأسف الشديد، نعيش حالة من الصراع النفسي والتناقض الإجتماعي، وأستغرب كيف يعاديك البعض، حالهم كحال النعامة. ديننا صريح وبسيط جداً، ورمز للتسامح والإخاء.. دين حق وترغيب، وليس دين قتل وترهيب. تناقضات أتعبتني جداً).
وبعد التناقضات المتعبة التي تواجهها (مسك) كل يوم، انتقلت إلى التعايش بين الناس، وأعلنت مقتها لكل من يكفّر إنساناً آخر، لا لشيء، إلا لأنه من طائفة أخرى، وإليكم ما قالت: (لي في الجامعة صديقات فلسطينيات وأردنيات، واحدة منهن مسيحية، وهي المقربة لقلبي، لأنها من طينتي، أفكارها تتطابق مع أفكاري، وأتأسف إذا أخبرتك أن العديد من صديقاتي ينبذنها، وينعتنها بالكفر، وعندما أناقشهن بذلك، وأقول لهن إنها من بلدكن ومن جنسيتكن، ودينها حق كديننا، لها كتاب ونبي، فكيف تكون ملحدة وهي تعترف بالله؟ غرابة ما بعدها غرابة!)..
أجل يا (مسك)، غرابة ما بعدها غرابة، جعلت أعمى المعرّى يصرخ بأعلى صوته: ليت عمري ما الصحيح؟! بعد أن رأى، وهو الأعمى، ما عجز الأصحاء عن رؤيته، حتى في القرن الحادي والعشرين، من تطاحن ديني مقيت، وقتل وتكفير باسم الله تعالى.
وفي الختام، تخبرني (مسك) أن تثقيف الفتاة، إنسانياً وتربوياً وجنسياً، يساعدها على النجاح، وعلى التنعم بحياة زوجية سعيدة، تمنع الأزواج من الانزلاق في مهاوي الخيانة، فكتبت ورائحة المسك تفوح من كل كلمة من كلماتها: (زمان، كنت أتابع كتابات الدكتورة نوال السعداوي، فلقد كانت جريئة جداً، تكتب من أجل إنارة طريقنا، ومع ذلك حوربت ونبذت، لكنها صمدت وواصلت مشوارها، ودعتنا إلى أن نعزز ثقتنا بأنفسنا، وأن نقرأ ونتعلم كي ننجح بحياتنا الزوجية، ونمنع هروب أزواجنا إلى مهاوي الخيانة).
ولكي تشد من عزيمتي أكثر قالت:(أعتذر للإطالة، ولكنني معجبة بطرحك عن غشاء البكارة، وأتمنى أن أرى مواضيع أخرى أجرأ وأجمل، واعلم أن كل الذين يشتمونك هم من أشد المتابعين لمقالاتك، وهذا ما يدل على نجاحك ورقيك بالتفكير بغية توصيل تجاربك للجميع، واعلم أن الاسم اللامع هو الذي يُهاجم، لأن له متابعين يسجلون ويدققون بكل كلمة تصدر منه قد لا تتطابق مع تفكيرهم المتخلف).
هذه الرسائل، ورسائل أخرى كثيرة لم آت على ذكرها، بعضها طلبت من صاحباتها إرسالها إلى (إيلاف) كونها وصلتني كمقالات جاهزة للنشر، تثبت أن هناك حالة مرضية قاتلة في وطننا العربي تعاني منها الفتاة، وتشل قدراتها، وتحد من إبداعها، يجب إنقاذها منها، وهذا لن يتم إلا عن طريق منحها حريتها، ومدها بنسغ ثقافي، اجتماعي، علمي، وجنسي رائد، يعطيها ثقة بالنفس تحولها من امرأة جاهلة إلى امرأة ذكية، ومن أم أَمَة إلى أم أُمّة، ومن زوجة خائفة ومذبذبة إلى زوجة وفية وناضجة ومتفهمة، وإلاّ.. سيتواصل انهمار رسائلهن المعذبة والمتأففة إلى كل من يدعو لإنقاذهن من براثن الجهل والعذاب.. وديكتاتوريّة الذكر.

**

اقلب الصفحة من فضلك